احتفالات الميلاد كما يعيشها الروس: ليالٍ شتوية سحريّة

تختلط الطقوس في الاحتفال بهذه المناسبة، فثمة ما هو وثنيّ قبل ظهور المسيحية، وما هو مرتبط بالإرث الديني المسيحيّ. وتبرز طقوس قراءة الطالع واستشراف المستقبل والتنبؤ بالطقس .
أنواع قراءة الطالع كانت متنوعة جدّا: من قراءة الطالع عبر الأحلام إلى شعوذات حقيقية عبر تقديم الأضحيات عند مفترق الطرق. تصوير: ألكسي كوندراتيوك/RIA Novosti
أنواع قراءة الطالع كانت متنوعة جدّا: من قراءة الطالع عبر الأحلام إلى شعوذات حقيقية عبر تقديم الأضحيات عند مفترق الطرق. تصوير: ألكسي كوندراتيوك/RIA Novosti

ترتبط أعياد الميلاد ورأس السنة عند الروس بقوى سحرية خاصة. وعادات موسم الاحتفال وتقاليدها لا ترتبط فقط بالمسيحية بل باعتقادات سلافية قديمة أيضاً.

فالكنيسة الأرثوذكسية تحتفل بعيد الميلاد وفق التقويم اليولياني، أو "النمط القديم"، كما هو معروف في روسيا. ويأتي هذا التقويم بعد التقويم الحديث أو الغريغوري بحوالي خمسة عشر يوماً. لهذا السبب، يأتي عيد الميلاد في روسيا في السابع من يناير/ كانون الثاني، بدلاً من الخامس والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول كباقي أنحاء أوروبا. رغم أنه منذ قرون عديدة، لم يكن هناك فرق بين التقويمين وكان يُحتفل بعيد الميلاد بشكل متزامن مع الانقلاب الشتوي، كما في باقي أنحاء أوروبا.

تعود بعض التقاليد القديمة إلى عهد ما قبل المسيحية في الوقت الذي كانت تُعبد فيه الشمس وبعضها الآخر ترتبط بالميلاد. أكثر هذه التقاليد انتشاراً بين أجدادنا، والذين عمل معظمهم في الأرض، كانت مرتبطة بالتنبؤ بحالة الطقس والحصاد من خلال المناخ السائد في ليلة عيد الميلاد.  

الصقيع الأبيض في عيد الميلاد يعني محصولَ قمح جيّد

عاصفة ثلجية في ليلة عيد الميلاد تعني أن الأوراق ستظهر باكراً

إذا كان الميلاد دافئاً فالربيع سيكون بارداً

عاصفة ثلجية تعني أنه سيوجد كثيرٌ من النحل في الصيف

سماء مرصّعة بالنجوم تعني محصول بازلاء جيد

كثيرٌ من الثلوج تعني محصول حنطة سوداء جيد

عيد ميلاد مظلم يعني أبقاراً حلوب بينما الميلاد المشرق يعني دجاجاً بياضاً

واستمر الفلاحون، من أجل الحصول على "صورة أدق" عن السنة المقبلة، وفي تحدّ خطر للحظر الذي فرضته الكنيسة، في اللجوء إلى الكهنة. الليلة الأطول في السنة تبدو وقتاً مناسباً من أجل ذلك، لأنه وفقاً للمعتقدات السلافية فإن الأرواح الشريرة تكون في ذلك اليوم في اجتماعها الأكثر نشاطاً وتتواصل مع البشر. وعلى الرغم من أن أجوبة الأسئلة المطلوبة كانت تُنتظر من العفاريت والجن، لكن التعويذات غالباً ما كانت تخاطب المسيح  والعذراء المقدسة وعدد من القديسين.

قراءة الطالع يمكن أن تكون حول أي شيء: الرخاء والحظ السعيد والزواج في العام المقبل وغير ذلك. وأنواع قراءة الطالع كانت متنوعة جدّا أيضا: من قراءة الطالع عبر الأحلام إلى شعوذات حقيقية عبر تقديم الأضحيات عند مفترق الطرق.

وكان التنوع أكبر عندما يتعلق الموضوع بقراءة طالع أمور الزواج. وهذا ليس مفاجئاً لأن عيد الميلاد يأتي بعد أربعين يوماً من الصيام، وتُحرّم خلالها حفلات الزواج، ولهذا السبب يُتبع عيد الميلاد بـ" موسم زفاف" كنسي. ولذلك كانت كل الأسباب متوفرة لمحاولة قراءة طالع مستقبل أحدهم في الزواج خلال ليلة عيد الميلاد.

وربما الطريقة الأكثر غرابة لاكتشاف طالع إحداهن في الزواج تتم على النحو التالي. يتوجب على فتاة في منتصف الليل أن تذهب إلى الحمام، ورأسها مغطّى بتنانيرها وأردافها عارية. ويتوجب عليها أن تدخل الحمام وهي تدير ظهرها، قائلة:" رجل غني، اصفعني على أسفلي بيدك المشعرة". إذا كانت اليد التي تلمسها مشعرة حقّاً، فهذا يعني أن رجلاً غنياً سيتزوجها، وأما إذا كانت يد الرجل التي تلمسها من دون شعر فهذا يعني أن رجلاً فقيراً وقاسياً سيتزوجها، بينما إذا اليد ناعمة فهذا يعني أن الزوج سيكون معتدلاً".

وإضافة إلى الطقوس الوثنية، يوجد في عيد الميلاد كثيراً من التقاليد المسيحية. ففي ليلة العيد، كان الصيام دقيقاً جدّاً، حيث كان يُحرّم تناول أي شيء حتى ظهور النجمة الأولى في السماء وكان الطعام يقتصر على الأشياء الأساسية والهزيلة، ومؤلفاً من عصيدة الذرة البيضاء. وهذه التقاليد تعود إلى نجمة بيت لحم، والتي أعلنت ولادة السيد المسيح للعالم. ولتذكّر الهدايا التي أحضرها الرعاة إلى كنيسة المهد حيث وُلد السيد المسيح، كانت بعض الحبوب المنقّعة والعصيدة توضع  تحت الأيقونات الموجودة في المنزل.

تقليد آخر يرتبط بشكل كبير بعيد الميلاد هو الصدقة. ويعود هذا التقليد قروناً إلى الوراء ويشارك فيه أناس من جميع الطبقات، من القيصر إلى كل الشعب. ففي القرنين السادس عشر والسابع عشر في عشية ليلة عيد الميلاد، كان القيصر، شخصياً، يقوم بزيارة السجناء وبيوت الفقراء لتقديم الصدقة. وعند معرفة أن القيصر سيقوم بتقديم المال، كان المتسوّلون يتجمّعون من جميع أنحاء موسكو.

خدمات الميلاد في الكنيسة الأرثوذكسية تبدأ في ليلة عيد الميلاد وتستمر حتى الصباح الباكر. وعندما تنتهي، يجتمع المؤمنون لتناول وجبات الاحتفال مع أصدقائهم وعائلاتهم. وخلال النهار، تكون منازل الناس مفتوحة لغير المدعوين والذين يُرحّب بهم بشكل كبير إضافة إلى مُنشدي الكورال، حيث يحظى الكورال بشعبية كبيرة في روسيا. يقومون بترتيل الأناشيد الاحتفالية بميلاد المسيح وتتمنى السعادة والرخاء للمضيف. بدورهم المضيفون- واعتماداً على ما يمكنهم أن يقدّموه- يكافئون منشدي التراتيل إما بالمال أو الفطائر المنزلية. ومن المعروف أنه حتى بطرس الأكبر شارك منشدي التراتيل وأنشدوا في بيوت النبلاء والتجار للاحتفال بالمسيح في ليلة عيد ميلاده.   

احتفالات عيد الميلاد ، التي تُعرف باسم عيد الميلاد المسيحي، تستمر اثنَي عشر يوماً حتى العطلة الكنسية التالية، عيد الغطّاس أو عيد الظهور.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي