موسيقار يردد ألحانه كل كبير وصغير في روسيا

في السادس عشر من كانون الأول/ ديسمبر تصادف الذكرى المئوية لميلاد غيورغي سفيريدوف، أحد أبرز الموسيقيين الروس في القرن العشرين. موسيقار، تنافسَ مشاهير الغناء في روسيا، أمثال يلينا أوبرازتسوفا، ودميتري خفوروستوفسكي، على حق الأولوية بأداء ألحانه.
Georgy Sviridov
غيورغي سفيريدوف، أحد أبرز الموسيقيين الروس في القرن العشرين. أرشيف - 1986 المصدر:Yuri Belinsky/TASS

غيورغي سفيريدوف، اسم غير معروف في الخارج إلا على نطاق ضيق، أما في روسيا فليس ثمة من لا يعرف موسيقاه. وحتى أولئك الذين لم يهتموا بالفن في يوم من الأيام، اعتادوا على مدى العديد من العقود أن يسمعوا كل مساء لحنا يفيض حيوية ومرونة، هو الشارة الموسيقية لرنامج "فريميا" الإخباري، على القناة الأولى للتلفزيون المركزي السوفيتي، والروسي فيما بعد. كل تلميذ في روسيا قد يردد "الرومانس" التراجيدي لسفيريدوف من موسيقا فيلم "العاصفة الثلجية"، فغالبا ما تتعالى أنغامه العاطفية، حتى خارج حفلات الموسيقا الكلاسيكية. كابد سفيريدوف كافة المحن التي انهالت على روسيا في القرن العشرين، وحافظ على مغازيها  في ما أبدعه من موسيقا ستبقى بفضل ذلك قريبة من قلوب الجميع.

من أعماق روسيا

ولد سفيريدوف في عمق الريف الروسي، وأبصرت عيناه النور في مدينة صغيرة تابعة لمقاطعة كورسك أثناء الحرب العالمية الأولى. وعندما اندلعت ثورة اكتوبر بعد شهرين من ولادته، وقف أبوه إلى جانب البلاشفة، فأعدم على يد الحرس الأبيض في العام 1919. وبقيت الأم أرملة مع طفلين. ولأنها أرملة شيوعي تلقت مساعدة من السلطة الجديدة، فكان عليها أن تختار بين بقرة، وبيانو صودر من إحدى أسر النبلاء. فاختارت البيانو. وفي هذا الصدد يشير المهتمون بسيرة سفيريدوف، إلى أن والدته تنبهت لميول ابنها الشديدة نحو الموسيقا في وقت مبكر، إذا لم يكن بلغ الخامسة من عمره بعد.

ولكن الصبي لم يتعلم العزف على البيانو إلا بمرو بعض الوقت، إذ سرعان ما هجر الدروس في طفولته؛ بينما تعلم لوحده العزف على آلة البلالايكا الوترية الشعبية، التي بدونها لم يكن يستقيم الاحتفال بأي عيد من الأعياد الروسية. وبعد أن انتقلت الأسرة إلى مدينة كورسك، دخل سفيريدوف مدرسة موسيقية هناك، حيث اكتشف معلموه موهبته، وأوصوا بأن يتابع دروسه بكل جد. وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره سافر إلى لينينغراد وانتسب لمعهد للموسيقا، يدرِّس فيه أساتذة من الدرجة الأولى. وفي الوقت نفسه كان في المعهد مع سفيريدوف كل من نيكيتا بوغوسلافسكي، وفاسيلي سولوفيوف- سيدوي، اللذان اشتهرا فيما بعد بتلحين الأغاني. وهناك أيضا بدأ سفيريدوف دروس التلحين. وفي سني الدراسة ألف مجموعة من ألحان "الرومانس" لمختارات من شعر بوشكين، حظيت بشهرة كبيرة، وباتت جزءا من رصيد المطربين الروسيين العظميين سيرغي ليميشيف، وألكسندر بيروغوف.

ومع ذلك، كانت الدروس الاحترافية الرئيسة لسفيريدوف لا تزال طي المستقبل، في كونسرفاتوار لينينغراد.  هناك تتلمذ على يدي الاستاذ ديمتري شوستاكوفيتش، الذي بقي بالنسبة له صديقا ومرشدا ومستشارا طيلة عقود عديدة.

تخرج سفيريدوف في الكونسرفاتوار بامتيازٍ أكدته سيمفونيته الأولى، وكونشيرتو للآلات الوترية. وتزامن تخرجه مع اندلاع الحرب الوطنية العظمى، فاستدعي للخدمة، ولكن سرعان ما أحيل إلى كلية حربية. ومن حسن الحظ أنه سرح من الجيش بعد عدة أشهر لأسباب صحية. لقد كان للمجاعة في طفولته إبان الحرب الأهلية، وهزاله البدني في فتوته، آثارا جلية على حياته، وخاصة عندما كان على موسيقار المستقبل هذا، أن يبذل الكثير من الجهد لاستدراك ما فاته من تعليم موسيقي في طفولته.

اقتران اللحن والكلمة

 كانت سنوات الحرب بالنسبة لسفيريدوف زمن التوتر والإرهاق، فبعد الجلاء إلى نوفوسيبيرسك بعيدا عن خطوط القتال، والتحاقه بفيلهارمونيا لينيغراد، ألف العديد من الألحان، وللمسرح ضمنا. كان ذلك زمن تراكم الخبرة السريع، وتحديد الأولويات، ما أسفر عن انطلاقة احترافية حقيقية لسفيريدوف في خمسينات القرن الماضي. وكان في جعبته آنذاك مؤلفات سيمفونية، وأخرى للعزف على عدد محدود من الآلات، وموسيقا تصويرية للأفلام السينماية والتمثيليات المسرحية. ولكن التجلي الأكثر سطوعا لسفيريدوف كان في الجمع بين  موسيقاه والكلمة الروسية الشاعرية. وتجدر الملاحظة هنا أن رهانه لم يقتصر على شاعر مجرب مضمون الفوز، كبوشكين. بل اختار أيضا الكسندر بلوك، وسيرغي يسينين. وفي العهد السوفيتي كان اختياره يقع على شعراء "شبه محظورين"، أو "شبه مرخصين". ولكن قدرة هؤلاء على التعبير عن الروح الروسية أقنعت الموسيقار، والجمهور سواء بسواء. في العام 1960 نال سفيريدوف إحدى أرفع  جوائز الدولة في الاتحاد السوفيتي، جائزة لينين، لقاء "أوراتوريو الأهواء" من كلمات فلاديمير ماياكوفسكي. واعترافا بموهبته منح سفيريدوف جائزة الدولة مرتين، لقاء مجموعتي "أغاني كورسك"، و"إكليل بوشكين". كما حاز لقب "بطل العمل الاشتراكي"، الذي من النادر جدا ان يمنح لرجالات الثقافة. ولكن التقدير الحقيقي له ، ربما، هو التنافس الشديد بين مغنين بارزين، أمثال يلينا أبرازتسوفا ودميتري خوفوروستوفسكي، على من يكون الأول بأداء مؤلفاته. وحتى اليوم لا تزال مؤلفات سفيريدوف دائمة الحضور في صالات الحفلات الفنية في روسيا.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي