إماطة اللثام عن عيد الميلاد في الأدب الروسي

الزينة تُعلق وتمر الليالي- على الأقل في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وتكثر الهدايا المعلقة قبل عيد الميلاد. في روسيا، يحمل هذا الاحتفال في روسيا معان مختلفة.
Christmas postcard, 1912
بطاقة عيد ميلاد من العام 1912 المصدر:Archive photo

يحتفل غالبية الروس يحتفلون بعيد الميلاد في 7 يناير/ كانون الثاني، لأن الكنيسة الأرثوذكسية تتبع التقويم اليولياني. بالنسبة للأطفال الذين لا يطيقون صبرا لفتح الهدايا، ليلة رأس السنة هي الليلة التي يتطلعون إليها، تاركين ليلة عيد الميلاد كاحتفال ديني. تبدأ الاحتفالات في 6 يناير/ كانون الثاني، عندما يحضر المؤمنون صلاة ليلة عيد الميلاد قبل أن يكسروا صيام 40 يوماً عن اللحوم ومنتجات الألبان بتناول الـ"كوتيا" (حبوب محلاة مطبوخة)، الذي يُقدّم كجزء من الأطباق الـ12 للعشاء المقدس- طبق لكل تلميذ من تلامذة المسيح- بعد ظهور أول نجمة في السماء.

الاستهتار الغوغولي

احتفالات وطعام وشراب، واجتماع العائلات في قلب السنة المظلم: لطالما كانت ليالي عيد الميلاد أرضية خصبة للكتاب الروس على مرّ العصور، على الرغم من أن بعضهم لم يحترموا هذه المناسبة كما يجب. في الليلة قبل عيد الميلاد، وفي رواية من القرن الـ19 للكاتب نيقولاي غوغول، يستغل الشيطان بنفسه الفرصة "ليطوف العالم فوق رؤوس الناس الطيبين بأفكاره الآثمة"، ويقوم بحجب القمر ويعيث فسادا في قرية ديكانكا النائية في ليلة عيد الميلاد المثلجة.  

يتناول القوزاق المحليون، وهم مسيحيون ملتزمون، " كوتيا مع عائلاتهم في منازلهم"، والسكارى يحبون على أربع خارجين من فندق صغير. بينما يقوم شيوخ القرية المحترمون بسرقة المنازل واحداً تلو الآخر وصولاً إلى بيت أرملة محلية ماكرة- لينتهي الأمر بها مختبئة في كيس فحم. إنها رواية خيالية مشوهة بالفجور والسكر والخداع، وتبلغ ذروتها برحلة إلى سان بطرسبورغ لسرقة خفيّ زوجة القيصر. في ليلة قبل الميلاد يظهر غوغول أفضل مهاراته في السخرية، متهكماً من الهوة التي تفصل بين التقوى العلني والشذوذ المخفي. 

الفقر والعزّ

قصة "الصبي الشحاذ عند شجرة عيد الميلاد" للكاتب فيودور دوستويفسكي، والتي تلفت انتباه القارئ إلى محنة الفقراء في هذا الوقت من الاحتفالات والوفرة، هي قصة تشاؤمية إلى حد كبير. صبي يتضور من الجوع، ووصل مؤخرا إلى بلدة ريفية، يتعثر خارج قبو ترقد فيه والدته "باردة كجدار"؛ ويُدهش من زينة البلدة، ويتأرجح بين النوافذ ليغيب في رؤيا فيها أشجار عيد الميلاد و"المعجنات بمختلف أنواعها- كيك اللوز، وكيك أحمر وأصفر"- لكن جوعه والبرد الذي يلتهمه أعاده إلى أرض الواقع. ابتعد عن الحشود لآخر مرة، وزحف في الفناء، حيث شاهد رؤيا شجرة عيد الميلاد، محاطاً بأعداد كبيرة من الأطفال "المشرقين والساطعين" يطيرون حوله ويقبلونه. لقد تجمّد من البرد. وأصبح لديه رفاق جدد من ضحايا الشتاء الروسي قليلي الحظ.

أما في الطرف الآخر من السلم الاجتماعي، وفي رواية من القرن العشرين بعنوان "الطبيب جيفاجو" لبوريس باسترناك ترى أكثر مشاهد ليلة عيد الميلاد تفجرا بالأدب، عندما تصل البطلة لارا حفلة عيد الميلاد وهي تنوي مواجهة المحامي الفاسد كوماروفكسي، الذي تلاعب بمشاعرها. "الراقصون يدورون ويغزلون" كتب باسترناك، قبالة "شجرة عيد الميلاد المثقلة بالأضواء". الضيوف بكامل أناقتهم يلتهمون اليوسفي والأطباق الأخرى، وكوماروفكسي يلعب الورق في غرفة الجلوس. كان الرقص على قدم وساق، عندما بدد البهجةَ مسدسُ لارا- استعارة مثالية للتنافر بين الألم الخاص والفرحة العامة في عيد الميلاد.

تأملات سنوية

أي نظرة إلى الكتابات الروسية في موسم الأعياد لن تكتمل بدون الإشارة إلى يوسف برودسكي- الشاعر المضطهد من قبل السلطات السوفيتية والحائز جائزة نوبل للآداب. اعتاد برودسكي أن يميّز كل ميلاد بقصيدة شعرية.

على الرغم من أنه كان يهودياً، لكن قصائد برودسكي حول عيد الميلاد كانت متدينة تماماً- في الوقت الذي كان فيه الإيمان غير محبذ. وصفت قصائده ميلاد السيد المسيح مع واقعية ضيقة التركيز، مارا بالأسطورة والطقوس ليشرح لنا ما هو المهد، في الأصل: في اللحظات الأولى من حياة الطفل الرضيع. في "نجمة الميلاد" كتب برودسكي:" كل شيء يبدو هائلاً: ثدي أمه، والبخار الطالع من أنف الثور... زيارة المجوس، وهداياهم معلقة على الباب، مواربة". إنه تصميم برودسكي على السمو فوق الشراهة والمسرات والاتجار بعيد الميلاد، الذي يحمل لنا رسالة بسيطة هي الوحدة والتعاطف والكرم، وهي الخصال المهمة في هذا الوقت من العام، مهما كان إيماننا.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي