ابحثوا عن الملازم كيجي

قبل أي قول في قصة "الملازم كيجي" للكاتب الروسي يوري طينيانوف، وأكتب كنيته بالطاء لوجود حرف تثقيل بعد التاء فيها، خلاف كتبتها (تينيانوف) بالعربية، لا بد من معرفة أهم أحداثها والتوقف عندها، ذلك أنها، حسب معرفتي، غير مترجمة للعربية، بانتظار من يعلن ترجمتها.
wikipedia.org
wikipedia.org

تقول القصة: إن " ناسخا في ديوان فوج الحرس القيصري تم نفيه إلى سيبيريا، وتم تعيين ناسخ غر بدلا منه. وهكذا جلس الناسخ الجديد الذي لا يزال فتى وراء الطاولة وراح ينسخ الأوامر القيصرية". وإذا به يرتكب غلطتين مصيريتين، " ففي القائمة الأولى، ارتكب هذين الخطأين: أدرج اسم الملازم سينيوخاييف في قائمة الأموات، لأن اسمه جاء مباشرة بعد اسم الرائد سوكولوف المتوفى"، والتبس عليه الأمر فأضاف إلى قائمة التعيينات اسما لا وجود له. أربكه دخول أحد الضباط فانقطع عن الكتابة لتحيته، وعاد إلى قائمة الأسماء فألصق حروفا من كلمتين ليتشكل اسم الملازم "كي جي" الذي لا وجود له إلى قائمة المعينين في الحرس الإمبراطوري". وهكذا تم تعيين" الملازم كيجي في الحرس". وأرسل الأمر إلى قيادة فوج الحراسة، وأميت الملازم سينيوخاييف وكان لا بد من شطبه من بين الأحياء.

" وحين استلم قائد فوج الحراسة الأمر القيصري، حاول جاهدا تذكر الملازم ذي الكنية الغريبة كيجي، فلم تسعفه ذاكرته. فلجأ إلى قائمة أسماء ضباط الفوج ولكنه لم يجد ضابطا بهذا الاسم، ولم يجد له أثرا حتى بين الجنود".

ولمّا كان في حيرة من أمره، لجأ إلى أحد المقربين للقيصر في منتجع بافلوفسك القيصري، فنصحه، قائلا:" لا تخبر الإمبراطور. اعتبر الملازم كيجي بين الأحياء، وعيّنه في الحرس".
بالتوازي مع ذلك، وتنفيذا للأمر القيصري، قام قائد الفوج " بترقين قيد سينيوخاييف- الذي أخطأ الناسخ فوضعه بين الأموات- بوصفه ميتا، وحذف اسمه من الخدمة" بعد أن تأمل الأمر دقيقتين، " لأنه لم يكن يعرف كيف يتحدث مع إنسان ميت".

وفي تلك الأثناء، كانت قد وقعت حادثة في القصر اقلقت القيصر بافل بيتروفيتش. فأحد ما صرخ تحت نافذته في الليل مستدعيا الحرّاس " أيها الحراس". وارتاب القيصر في أن تكون هناك مؤامرة، ولم يترك القيصر قائد فوج الحراسة يخلد إلى الراحة قبل اكتشاف الفاعل. ورب ضارة نافعة كما يقال. كما لو أن الملازم كيجي أنزل هدية من السماء. فقد وجد قائد الفوج ضالته في الاسم الجديد، فأخبر القيصر بأن الذي صرخ هو الملازم "كيجي". وكما كان متوقعا، لم تتأخر ردة فعل القيصر، فسرعان ما أمر بنفي كيجي "مشيا على الأقدام إلى سيبيريا".

و"هكذا بدأت حياة الملازم كيجي، الذي كان حين أعد الناسخ الغر القوائم مجرد غلطة". ولما كان " لا بد من تنفيذ الأمر القيصري، وجب أن يفصل الملازم كيجي من الخدمة العسكرية ويحال إلى القضاء، ومن هناك يساق مباشرة إلى سيبيريا. وذلك ما كان. ففي ذلك الفوج الذي خدم فيه، صرخ القائد بصوت جهوري لا تجد مثله إلا لدى إنسان ضائع باسم الملازم كيجي أمام الصفوف". "وانزاح عبء ثقيل عن كاهله".

وفي ليل ذلك اليوم، تقلب أحد الجنود المستجدين على فراشه يصارع سؤالا يؤرقه يبدو أن الجنود يتداولونه، وإذا به يسأل أحد متقدميه:" يا عم، من هو قيصرنا؟" فيجيبه الجندي الأقدم" بافل بيتروفيتش يا حمقاء"، ولم يقل "يا أحمق!"، فيعود الجندي الغر ليسأله: "وهل رأيته؟"، ليتلقى جوابا: "رأيته. وأنت أيضا ستراه" و"صمتا"، وعاد المستجد إلى السؤال:" يقولون..يقولون إن الإمبراطور..." وكان يعني لا وجود له.

وما أكثر الصدف وما أشدها غرابة! " فقد كان لدى إحدى خادمات الشرف في القصر، في تلك الساعة بالذات (ساعة سمع القيصر صرخة "أيها الحراس") موعد غرامي مفاجئ مع أحد الضباط، ولم تستطع الخروج من الطابق العلوي للانفراد به. وإذا بها حين نظرت من أعلى ترى معشوقها لا يتحلى بالحيطة المطلوبة أو أنه لجهله يقف تحت نافذة الإمبراطور ويومئ لها من هناك، وإذا بها تشيح بيدها خائفة وترتسم على وجهها علامات الذعر. فيظن العاشق أن حالها قد ساءت ويصرخ " أيها الحراس".
ويا لحسن الحظ..حظ من لا أدري. فها هم يعثرون على المتهم بالصرخة، إنه الملازم "كيجي"، وها هم ينفونه إلى سيبيريا. وفي طريق المنفي، الذي لا وجود له إلا على الورق، إلى سيبيريا البعيدة الباردة، " ينظر المفتش على الحاجز الأول إلى الحارسين اللذين يرافقان كيجي، نظرته إلى مجنونين، فيستاءان. ولكن الأقدم بينهما، يخرج ورقة رسمية كتب فيها أن المعتقل سري ولا شكل له. فيضطرب المفتش ويخصص لهما غرفة بثلاثة أسرة للمبيت". وبعد ذلك ينطلقان " ويصلان إلى الحاجز الثاني، ولكن بثقة أكبر".

ولم ينته الأمر هنا، فقد كانت هناك مفاجئة أخرى تحث الخطى وراءهما، لتزيد القصة إثارة. فقد طوى المسافات خلفهما أمر قيصري جديد. ذلك أن القيصر بعد أن تنفس الصعداء وتلاشى خوفه من صرخة "أيها الحراس"، ثاب إلى نفسه وشعر بقسوة حكمه على الملازم العاشق كيجي وقرر العفو عنه. فجاء الأمر " إعادة الملازم كيجي المنفي إلى سيبيريا للخدمة وتزويجه من خادمة الشرف تلك".

وإلى حين "عودة الملازم كيجي من سيبيريا، كان قد اشتهر لدى كثيرين. فقد كان هو نفسه الملازم الذي صرخ "أيها الحراس" تحت نافذة الإمبراطور، والذي عوقب بالنفي إلى سيبيريا، ثم أعفي عنه وأعيدت له رتبته". و" لم يعد قائد الفوج يشعر بأي حرج، فقد قام ببساطة بتعيين كيجي في الحرس وتكليفه بالمناوبة. وحين كان الفوج ينطلق إلى المعسكر لإجراء مناورات كان الملازم كيجي يرافق القائد. كان الملازم ضابطا ملتزما لم يلاحظ أحد ما يسيء في سلوكه".

وأمّا "خادمة الشرف ففرحت في أوّل الأمر، وظنت أنهم سيزوجونها عاشقها المفاجئ"، الذي لم تعد تذكر شكله .. ولكن ويا لخيبة أملها فقد " أدركت أنها تقف في الكنيسة وحيدة، فيما يمسك معاون من القصر بالإكليل فوق المكان المخصص للعريس". والشيء الغريب مثير، " فسرية الطقس التي حالت دون حضور العريس الإكليل وسحريته أعجبت كثيرين. وهكذا، تم الزواج، ومع مضي بعض الوقت ولد للملازم كيجي صبي، قيل إنه يشبهه. ونسي القيصر أمره، فقد كان لديه مشاغل كثيرة".
إلا أن الأمور لا تستقيم هكذا، فلا بد للقصة أن تكتمل، " فذات يوم، وفيما كان القيصر يقلّب قوائم عناصر فوج الحرس، وقع نظره على اسم الملازم كيجي فرفّعه إلى رتبة نقيب، وفي مرة أخرى إلى رتبة عقيد. لقد كان كيجي ضابطا منضبطا. ثم نسيه الإمبراطور من جديد.

وفي هذه الأثناء، سارت حياة العقيد كيجي " بلا حس أو حسيس"، وتعايش الجميع مع الأمر. وقد كانت لدى العقيد كيجي غرفة مكتب خاصة في بيته، وغرفة أخرى في الثكنة، وكانوا يوصلون إلى هناك الأوامر والتقارير أحيانا، ولا يثير استغرابهم الشديد غياب العقيد. ثم تم تعيينه قائدا للفوج. إلا أن أكثر من كان يشعر بالراحة في هذه الأثناء على السرير المزدوج العملاق هي زوجته خادمة الشرف. ففيما راح زوجها يرتقي سلم المراتب، كان نومها مريحا، والصبي يكبر. وأحيانا، كان يدفئ مكان الزوج في السرير واحد ما من الملازمين أو النقباء أو الشخصيات الرسمية".

ولكن الزمن لا يتوقف حتى لو أردنا إنهاء القصة على طريقتنا أو أراد طينيانوف، فقد مضى وقت آخر،" وذات صباح، نظر القيصر بافل بيتروفيتش في أوامر التعيينات، وقام بترفيع العقيد كيجي إلى جنرال...وأمر للجنرال الجديد بعزبة وألف نفس. وفي مساء ذلك اليوم، طفى اسم الجنرال كيجي على السطح من جديد وراحوا يتحدثون عنه"، وراح كثيرون يسردون لقاءاتهم به، ويمتدحونه. ومن جديد " جرت الأحداث سريعا، وإذا بالجنرال كيجي يدعى لمقابلة الإمبراطور".
فكيف له أن يقابل القيصر؟ " في ذلك اليوم بالذات نقلوا للقصير خبرا مفاده أن الجنرال كيجي مريض جدا".. فأمر بتحويل محبوبه وخادمه الوفي إلى المشفى القيصري وأمر أطباء القصر بعلاجه. وهكذا " تراكض الأطباء وراء أبواب مهجع العمليات المغلقة وراحوا يرتجفون كالمرضى لإنقاذ الجنرال كيجي". إلا أن الكلمة الأخيرة كالعادة تقولها السماء،" ففي مساء اليوم الثالث، توفي الجنرال كيجي. وكف الإمبراطور بافل بيتروفيتش عن الغضب، فقد نظر إلى الجميع نظرة غائمة وانزوى". وكما يليق بشخصية من مقامه، تم دفن رجل القصر، شاغل الناس.
" فقد بقيت مراسم دفن الجنرال كيجي عالقة في ذاكرة سكان سان بطرسبورغ فترة طويلة، فيما حفظ بعض كتبة المذكرات والمؤرشفين ما فيها من تفاصيل. فقد سار فوج الحرس منكّس الرايات، وثلاثون من عربات القصر سارت خلف الجنازة، بناء على رغبة الإمبراطور، وعلى وسادة، حملوا أوسمة الجنرال المتوفى، ووراء النعش الثقيل، سارت زوجته ممسكة بيد الصبي وبكت. وحين مر الموكب بالقرب من القصر، خرج الإمبراطور بافل بيتروفيتش ببطء إلى الجسر، وسحب سيفه من غمده وقال: يموت أفضل الناس لدي".

ولكن دعونا لا ننسى الملازم المسكين سينيوخاييف، فلا نقتله مرة ثانية بعد أن وفّاه ناسخ فوج الحرس القيصري، تعالوا نبحث عنه. وبحثنا ووجدناه " يتأمل الغرفة التي عاش فيها حتى يوم إماتته. كانت الغرفة فسيحة ولكن واطئة السقف، وكانت فيها صورة رجل متوسط العمر في نظارات. هي صورة الطبيب سينيوخاييف، والد الملازم".

ولما كان الرجل ميتا، كما يقول الأمر القيصري، فقد كان لا بد من إجراءات شطبه من الحياة. وهكذا، ففي غرفة تفتيش الموتى" تمطى العسكري ونظر إلى يد الملازم المتوفى سينيوخاييف وسحب من كم معطفه أي معطف الملازم، منديل الكتان، ونظف به أنفه وتثاءب من جديد. عندئذ صحا الملازم إلى نفسه وقال برخاوة إن ذلك يخالف القواعد. فقال العسكري الشاب إن ذلك على العكس يوافق الأصول، وأنه يتصرف وفق الجزء الثاني من التعليمات مع سينيوخاييف المتوفى، وبالتالي، فيجب على سينيوخاييف أن يخلع معطفه الذي بدا للعسكري أنه لا يزال بحال جيدة، ويرتدي بدلا منه معطفا باليا لا يصلح لأن يستخدمه الأحياء. وهكذا، بدأ سينيوخاييف بخلع معطفه، وراح العسكري يساعده في ذلك، موضحا أنه، أي سينيوخاييف الراحل، قد يخلعه كما لا ينبغي.

بعد ذلك لبس سينيوخاييف المعطف البالي، ووقف خشية أن يأخذ العسكري قفازيه... واستدار وخرج، ليتسكع طوال الليل في شوارع سان بطرسبورغ، دون أن يحاول حتى اللجوء إلى أي مكان. ولكنه، قبيل الصباح، شعر بالتعب فجلس عند أحد المباني، وغفا عدة دقائق، ليقفز بعدها فجأة ويمضي دون أن يتلفت إلى الخلف، ويخرج من حدود المدينة، فلا يعود إلى الثكنة التي خدم فيها بعد ذلك اليوم".

وكما يقول طينيانوف، فـ" الكلب المعضوض يحب الذهاب إلى الحقل ومعالجة نفسه بالأعشاب المرة. وهكذا، ذهب الملازم سينيوخاييف مشيا من سان بطرسبورغ إلى ضاحية غاتشينا" حيث أحد المنتجعات القيصرية. وهناك كان يعمل والده الطبيب. رأى " الطبيب (ابنه) في ملابسه الرثة، فأجلسه، وبدأ باستجوابه: هل خسرت أم أنك معاقب؟" فأجابه ابنه:" أنا لست حيا".

فـ" جس الطبيب نبضه، وغمغم بشيء ما عن العلق، وتابع استجوابه.. وفي اليوم التالي، ذهب إلى البارون آركاتشييف، بعد أن أدخل ابنه المشفى وكتب فوق سريره "موتٌ عارض". وعند اللقاء، سأله البارون:" ومتى حصلت الوفاة؟" فأجابه الطبيب:""في الخامس عشر من يونيو/حزيران". فتساءل الرجل بعد أن تذكر أن اليوم هو السابع عشر منه:" وأين كان المتوفى هذين اليومين؟" وبالنتيجة، توسل البارون لدى صديقه سكرتير القيصر، ميليتسكي، عرض التماس ابن صديقه سينيوخاييف على القيصر لإعادته إلى قوائم الأحياء، فجاء رد القيصر غاضبا:" رفض طلب الملازم السابق سينيوخاييف المشطوب من القوائم بسبب موته، للسبب ذاته". وهكذا حكم على سينيوخاييف بالبقاء ميتا.

وكان على الميت أن يسير في الشوارع، "وحين كانت تضطره الحاجة للمرور في السوق، كانوا يصرخون في أثره: تعال أمس.. ويتحدثون عن أنه يجلب النحس.. والأطفال الملاعين يلاحقونه ويسمونه بالمشنوق". وهكذا، فلم يبق أمامه إلا أن "يختفي دون أثر..كأنما لم يكن له وجود يوما".

وأما القيصر بافل بيتروفيتش، كما تقول قصة "الملازم كيجي"، فمات في مارس/آذار من ذلك العام نفسه الذي مات فيه الجنرال كيجي"، أي مات حين ماتت الكذبة، أو الغلطة. وهو نفسه القيصر الذي حين كان لا يزال حيّا، كان "حراس القلعة، في سان بطرسبورغ، يصيحون: الإمبراطور نائم. ويكرر هذه الصرخة خفراء تقاطعات الشوارع. الإمبراطور نائم. وتفعل هذه الصرخة فعل الريح فتغلق أبواب الدكاكين واحدا تلو الآخر، ويلوذ المشاة ببيوتهم. ذلك يعني أنه المساء".  

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي