المطبخ الروسي: عودة إلى الأرض الأم

تلال من الكافيار الأسود وحليب الفرس- هو ما يتناوله الروس فعلاً؟ وها هو كاتب خبير في "روسيا ما وراء العناوين" يعرض واقع المطبخ الروسي.
يعد حساء "بورش" رمزا ووجها للمطبخ الروسي. تصوير: FotoImedia
يعد حساء "بورش" رمزا ووجها للمطبخ الروسي. تصوير: FotoImedia

تعود أولى الإشارات في المخطوطات التاريخية إلى خصوصية المطبخ الروسي إلى القرن العاشر، حيث ورد أن السلافيين الشرقيين يعتاشون دوماً على حليب الفرس.

الفرن

يجعل مناخ روسيا القاسي الزراعة غير ممكنة في جزء كبير من السنة. لكن، الغابات لم تكن في يوم من الأيام قليلة في روسيا. حيث قدّمت الغابات المتساقطة الأوراق في المناطق الأكثر دفئاً والغابات الصنوبرية الدائمة الخضرة الحطبَ الكافي للحفاظ على اللهب مشتعلاً في الفرن الروسي- الذي يعدّ أكثر أجزاء المطبخ الروسي عالميةً.

 
الفرن الروسي التقليدي. تصوير:RIA Novosti  

في حالة الاضطرار إلى وصف موقد الطوب الروسي بمصطلحات تقنية حديثة، فللأسف، إنه موقد قليل الكفاءة بمعيار الاستفادة من الطاقة- حيث يتم تحويل ما لا يزيد عن 30% إلى حرارة قابلة للاستخدام. وأما الفراغ داخل المدخنة فكبير بدرجة كاف لأن يتسلق المدخنة من الداخل رجلٌ بالغٌ.

للحصول على الحرارة المطلوبة لطهي الخبز في هذا الموقد الشبيه بالكهف، يحتاج الأمر، على الأقل، إلى عشرة قرم كبيرة، مأخوذة من أشجار صغيرة. لكن، عندما يتم تسخين الموقد فإنك تستطيع، بهذا المقدار من النار، طهي عدد من الأطباق التي تحتاج إلى وقت طويل، وخبز كافٍ لإطعام عائلة كبيرة. تُترك الأطباق لتبرد في الفرن الذي قد يحتفظ بحرارته حتى 8-12 ساعة، وطريقة الطهي هذه تساعد في إعداد أصناف مميزة من المأكولات الروسية.

حساء 

 

تعود أولى الإشارات في المخطوطات التاريخية إلى خصوصية المطبخ الروسي إلى القرن العاشر. تصوير: Stock Food / Photodom

 

هذا واحدٌ من الأطباق التي تستفيد من إمكانية الطبخ في الموقد الروسي لوقت طويل- عدة ساعات على حرارة (80- 200) مئوية. وهو من الأطباق المفضلة للروس منذ عدّة قرون إلى اليوم. وتتكون الوجبة التقليدية الدسمة لعائلة فلاحية عادة من زبدية من حساء الملفوف المطهي لوقت طويل، وطبق آخر من العصيدة المغلية، إما من الحنطة أو القمح أو الذرة البيضاء أو الشعير.

مخللات مملحة

تُملّح الخضروات والفطر الروسي،عادةً، بالملح وخميرة حمض اللاكتيك الطبيعي، وتُسمّى "كفاشينايا". الأشياء المخللة، جزء رئيس من المطبخ الروسي. فللماء المملح الذي يخلل فيه الخيار والملفوف أهميته في الطبخ الروسي كأهمية صلصة الصويا في بلدان جنوب شرق آسيا.

كما يوجد طبق خاص يُدعى "طعام مخلل" مصنوع من هذه المخللات، وكذلك من حساء الملفوف- وهو يضم أنواع الحساء- سوليانكا، وراسولنيك، وكاليا. وقد أشار آدم أولياريوس،الرحّالة والكاتب الألماني من العصور الوسطى، والذي سافر عبر الأقاليم الموسكوفية، إلى أطباق مثل لحم الغنم المشوي ومخلل الخيار، حيث يتم تناوله بعد الثمل المفرط لاستجماع القوة والمتابعة.

السمك والكافيار الأسود:

 
الكافيار الأسود. تصوير: ITAR - TASS  

لن تكتمل أي قائمة من الطعام الروسي المفضّل دون الإشارة إلى الأسماك النهرية من كل الأنواع- والتي كانت متوفرة باستمرار ولا تزال. ويذكر"دوموستروي" أو "الإدارة المنزلية"  دليلا عن التربية المنزلية من القرن السابع عشر – عشرة طرائق مختلفة لتمليح السمك بما فيها التجفيف الهوائي، والتمليح في براميل، وكثر غيرها.

ولن يغيب عنها، بالطبع، الكافيار الأسود الروسي المشهور- والذي أصبح اليوم مفقوداً تقريباً. بينما حتى سنوات قليلة مضت، كانت الأقاليم الروسية النائية تستخدم الكافيار المجفف أو على شكل مسحوق كبديل عن الدقيق خلال سنوات نقص الغذاء لأنه كان البديل الأرخص.  

كما توجد أنواع فطائر محشية بالسمك معروفة فقط في روسيا وهي:  كوليبياك، فطائر اللحم والسمك، وراستيجي، فطائر محلّاة

الفطائر والمعجنات

 
الفطائر والمعجنات، هي بمثابة بطاقات الدعوة للمطبخ الروسي  

الفطائر والمعجنات، هي بمثابة بطاقات الدعوة للمطبخ الروسي. يصعب عدّ أنواع الحشوات، ومجموعات الحلويات. فطائر مالحة مفتوحة أو مغلقة، فطائر خثارة الجبن المغطاة بالفواكه، وفطائر حامضة أو حلوة.

عطلة أيام المرافع (ماسلينيتسا) التي تسبق أربعاء الرماد- وهي مهرجانات احتفالية دينية روسية خاصة تسبق الصوم الكبير- ترتبط بتقديم الفطائر للضيوف.

كما يقوم الروس بطبخ الفطائر في أيام أخرى من العام. حيث يتبع عيد الميلاد موسم أعياد يُعرف بأيام "كيك الشوفان"- حيث يقومون بخبز فطائر خاصة مصنوعة من دقيق الشوفان.

كما يتم تحضير أطباق خاصة ببعض العطل لمرّة واحدة في السنة، وتقدّم في هذه العطل حصراً- مثل كعكة "كوليش" الاسفنجية الشرقية، و"باسخا"، وهي كتلة من اللبن الرائب المحلّى والمزين، ليوم عيد الفصح. كما توجد حلوى مزينة تُدعى "قبّرات الربيع" التي تُعدّ خصيصاً لعيد القديس يوحنا المبارك، والأيائل المشوية التي تُقدم في عشية عيد الميلاد بالقرب من أرخانغيلسك.

بالطبع، لا نستطيع إنهاء الكتابة عن المطبخ الروسي دون الإشارة إلى عدد من الشوربات الباردة، مثل أوكروشكا وبوتفيني، والتي تصنع باستخدام الـ" كفاس"- الشراب المخمر المشهور الخالي من الكحول والذي يصنع من الخبز الأسمر.

أين يمكن أن تجّرب المأكولات الروسية الأصيلة؟

روسيا بلد متعدد الأعراق، ولذلك فقد ضم المطبخ الروسي الوطني عددا من الأطباق التي تنتمي إلى المجموعات العرقية الأخرى على مدى قرون. وهناك عدد من الأطباق التي يُعتقد أنها "روسية" اليوم، تنتمي  بالأساس إلى أطباق دول الجوار، مثل بيلميني الفنلندي، وهو طبق شبيه بالرافيولي، أو المعكرونة التركية، أو "الششبرك".

وفي طريقة مشابهة، انتشرت أطباق الشعوب الأخرى التي تعيش في روسيا على حساب الأطباق الروسية الأصيلة. ومن المؤسف أنه يصعب في الواقع إيجاد مأكولات روسية أصيلة في قوائم المطاعم. فما تحصل عليه غالباً هو بدائل معدّلة، ومع أنها على الأغلب بدائل لذيذة، لكنها بعيدةٌ كلّ البعد عن الطبق الروسي الأصلي.

هناك بالطبع بعض الاستثناءات، ولكنها قليلة. فمثلاً، تستطيع أن تجد في الوسط التاريخي لمدينة سان بطرسبورغ أطباقا روسية على قائمة "روسكايا روموتشنايا رقم 1". لكن الوضع بدأ بالتحسن. حيث بدأت المطاعم في الأقاليم الروسية بتركيب المواقد الروسية التقليدية، وباستخدام طهاة يافعين مهتمين بتقديم الأطباق الأصيلة أكثر من اهتمامهم بإبهار العملاء بوجبات تم "إغناؤها" بمواد متنوعة. بالتوازي مع ذلك، فقد بدأ المزارعون بزراعة ما يلزم لأطباق كاد أن يطويها النسيان، مثل اللفت والحنطة. وهذه المأكولات إذا ما تمّ تحضيرها فإن ذلك يتم بأيدٍ ماهرة. يمكن إيجاد هذه المكونات الروسية التقليدية في المواقع الروسية المعروفة بشكل جيد مثل مقهى "لافكالافكا".

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي