حجاب للشتاء الروسي

كُبَّة من الخيوط، صنانير حياكة جيدة، وإيمان بالله، تلكم هي مكونات التجارة الناجحة بالنسبة إلى يلينا تسابرييفا، فكيف أصبحت هذه الفتاة الروسية من مدينة تفير الواقعة في ضواحي موسكو مسلمة وكيف بدأت بخياطة الحجابات، هذا ما يستكشفه موقع " روسيا ما وراء العناوين".
elena
المصدر:تصوير: مارينا أليكسييفا

اعتنقت يلينا تسابرييفا الإسلام عن وعي وإدراك عندما كانت في العشرين من عمرها، علماً بأن سكان مدينة تفير التي تتحدر يلينا منها لم يعرفواعن الإسلام إلا القليل، فمن النادر أن تلتقي بمسلمين في هذه المدينة.

تتذكر يلينا قائلة: " كان ذلك في عام 2002، كنت أعيش حياة مفعمة بالحيوية والنشاط؛ الدراسة في كلية الاقتصاد، ثم العمل، وبعد العمل هناك الرياضة والرحلات وغير ذلك، ولكنني كنت أفتقر إلى شيء ما. في هذه الفترة كنت غالباً ما أنظر باهتمام إلى الفتيات والنساء المسلمات، فقد كان يبدو لي أنهن متميزات على نحو ما، مختلفات، وهذا ما جذبني".

وبحسب قول يلينا، كانت هذه الفتيات في معظمهن من الشيشانيات والأذريات، وكن يربطن مناديل على رؤوسهن على الطريقة القوقازية ويرتدين تنانير طويلة. آنذاك لم تكن تتصور أنها قد تصبح واحدة منهن في يوم من الأيام.

وذات مرة، وقعت بين يدي يلينا مقالة في إحدى المجلات كتبتها فاليريا بوروخوفا الشخصية الإسلامية الروسية المعروفة وصاحبة إحدى ترجمات القرآن تحت عنوان " ترجمة معاني القرآن".

وفي حديثها لموقع " روسيا ما وراء العناوين" قالت يلينا بهذا الصدد: " قرأت في الصفحة الأخيرة من أحد أعداد مجلة " الاقتصاد والحياة" مقالة مفهومة ومختصرة لفاليريا بوروخوفا، شرحَت فيها بكل بساطة ما هو الإسلام. آنذاك، انقلب تصوري عنه تماماً، وأصبح كل شيء بسيطاً ومفهوماً: يجب الإيمان بالله وأداء الصلاة وصوم شهر رمضان، وإيتاء الزكاة والحج".

وأصبح اعتناقها للإسلام تلك الخطوة التي لم يفهمها أقاربها فوراً، وتقول يلينا: " منحني الإسلام مجموعة من القواعد التي يمكن من خلال مراعاتها بناء العلاقات مع الناس وأن يحدد الإنسان لنفسه ما هو الهام بالنسبة له حالياً، وما الذي ينبغي تجنبه وعدم صرف الوقت والجهد عليه".

وعندما أصبحت مسلمة، لم تغير يلينا اسمها، ولكنها ارتدت منديلاً، ثم أخذت تستبدل ثيابها  بالتدريج بما يتفق مع تعاليم الإسلام.

تصوير: مارينا أليكسييفا

وتضيف يلينا: " كان التأقلم صعباً، ولكنني لم أستسلم، ففي البداية تخليت عن ارتداء الجينز والبناطيل، وتحولت إلى التنانير والفساتين، بعد ذلك قمت تدريجياً بتوسيعها وزيادة طولها. أما الأصعب فكان الانتقال من المنديل إلى الحجاب المعقود بإحكام، ولكنني الآن أشعر براحة كبيرة، حتى أنني أسمع عبارات الإطراء، ويبدي الناس إعجابهم كيف أنني تعلمتُ من خلال مظهري الجديد المزج ما بين الألوان والأشكال".

لم يكن الطريق نحو الدين سهلاً، فقد واجهت يلينا كثيراً من القوالب النمطية المترسخة في المجتمع الروسي تجاه الإسلام والمسلمين، ومن بينها على سبيل المثال أن جميع النساء الروسيات المعتنقات الإسلام غير متعلمات ومن دون حقوق.

وتقول يلينا: " تظهر هذه الصورة للمرأة المسلمة في مختلف البرامج التلفزيونية، كما يحكم الناس على الإسلام من خلال المهاجرين الذين قلما يراعون أحكام دينهم، ويخطئ الكثيرون عندما يجمعون قومية وديانة الشخص في كل واحد، ونضطر إلى شرح أنه يوجد عرب مسيحيون وأن الروس أيضاً يمكن أن يكونوا مسلمين، وبالمناسبة فإن زوجي روسي وقد تعرفنا على بعضنا في المسجد".

من ناحية التعليم، فإن يلينا تحمل شهادة في الاقتصاد، ولكنها لم تعمل باختصاصها، كانت تحلم بأن تؤسس شركتها الخاصة، وهنا تبين أن الإسلام هو الفكرة التجارية نفسها التي يبحث عنها كثير من رجال وسيدات الأعمال الناشئين، فقد كان هناك نقص حاد في الملابس الإسلامية في منطقة تفير بالمقارنة مع المدن الكبيرة مثل موسكو وقازان وسان بطرسبورغ، وهكذا بدأت يلينا بخياطة القبعات وغيرها من الملابس للمسلمات.

وتتذكر يلينا تسابرييفا قائلة إنه" في شتاء عام 2010 قررت مع والدتي "تدفئة" مسلماتنا وحياكة نماذج تجريبية من أغطية الرأس، القلنسوات، وقد أعجب الجميع بها. عندئذ قررت نشر صور منتجاتي في مواقع التواصل الاجتماعي، وأنشأت مجموعتي الخاصة، وبدأت أتلقى الطلبيات، وكان الطلب كبيراً لدرجة أنني اضطررت للتفكير بطريقة أسرع للإنتاج، عندئذ اشريت ماكينة حياكة، وبعد وقت قصير، ومن أجل تنويع مجموعة الموديلات، اشتريت ماكينة حياكة أخرى ذات وظائف أكثر".

وفي الوقت الحالي، تبلغ علامة " Tsabrel" التجارية من العمر خمسة أعوام، أصبحت خلالها هذه العلامة الصغيرة معروفة ليس في روسيا فحسب، وإنما في الخارج أيضاً.

وتقول يلينا تسابرييفا: " في روسيا كثير من المسلمات، وكثير منهن يعشن في المناطق الشمالية الباردة، ولذلك فإن الطلب جيد عندنا، كذلك توجد زبونات دائمات من البلدان الأوروبية مثل ألمانيا والنرويج، فالطلبيات عندنا ليس فقط من المسلمات.

وبالنسبة للموديلات فإنني أقوم بتصميمها مع والدتي، ولا نعمل وفق مخططات جاهزة، وأقوم بالحياكة بالدرجة الأولى لنفسي، لروحي، ولا تعود لي هذه التجارة بكثير من المال، ولكن يعجبني شراء الخيطان الجميلة، والصنانير الجيدة، كما أنني، طبعاً، أحيك لزوجي وأولادي".

حياة المسلمات في روسيا

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي