مصير العالم العربي بعد 100 عام من الآن

الأعوام المائة المحددة في العنوان، ليست، بالطبع، أكثر من صيغة مجازية. فمع أخذ مجريات الأحداث الحالية بعين الاعتبار فإن منظومة إقليمية جديدة يحتمل أن تتشكل مع حلول العام 2030، كما يحتمل أن تعيش هذه المنظومة لثلاثين إلى خمسين سنة قادمة، أي إلى أن يتحرك الشرق الأوسط من جديد. وهكذا فالأفق البعيد المعني بالحديث يمكن أن يشمل الفترة الممتدة من العام 2030 إلى العام 2070. ولكن، على الرغم من عدم وضوح ما يمكن أن يحمله هكذا أفق بعيد، فإنه يمكن الحديث عن بعض الأشياء، بدرجة ما من الثقة.
arab_world
المصدر:رسم دميتري ديفين

المحددات الاجتماعية- الاقتصادية

خلال بضع من عشرات السنين ستفقد الدول المصدرة للنفط ميزاتها النسبية التي تتمتع بها اليوم في سوق الطاقة العالمي. وهذه البلدان، في حال عدم قدرتها على التأقلم مع الظروف الجديدة سيكون عليها معاناة مخاض عسير، من أهم سماته التدهور الاقتصادي، وتصاعد النزاعات، والنكوص الحضاري، وعودة الأصوليات الدينية وازدهار حركاتها السياسية الرديكالية.

وبالنسبة لبلدان شمال أفريقيا، والمغرب العربي بالدرجة الأولى، فإن علاقتها بأوروبا ستلعب دورا مركزيا في مستقبلها. وإذا ما سارت الأمور في هذه البلدان على ما يرام فيمكن توقع أن تقوى علاقاتها الاجتماعية السياسية المتبادلة مع أوروبا، وصولا إلى تكامل اقتصادي جزئي في المستقبل. أما في حال سارت الأمور في منحى غير مناسب، بما في ذلك دخول الاتحاد الأوروبي في أزمة أو تصاعد أزماته الداخلية، فإن المغرب العربي معرّض لنكوص في تطوره الاقتصادي الاجتماعي، الأمر الذي من شأنه أن يفاقم التوتر الاجتماعي داخله وقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات سياسية.

وفي المستقبل، فإن المشكلة الأهم في الموارد ستتمثل في نقص المياه. وهذا أمر منذ الآن يهدد بنشوب نزاعات على مختلف المستويات الإقليمية والدولية.

وإذا ما عدنا إلى الأوضاع الاجتماعية، فيمكن القول بثقة إن العالم العربي خلال أربعين سنة سيواجه أزمة ديمغرافية جديدة، تتمثل بالعجز عن استيعاب طاقة الشباب. فأولئك الذين بلغت أعمارهم اليوم الخامسة والعشرين سيصبحون في عمر التقاعد. وأما الجيل الحالي الفتي فسيواجه مشكلة البطالة وقلة فرص تحقيق الذات التي شكلت أحد أسباب انتفاضة الشباب في تونس ومصر وغيرهما من البلدان العربية. ذلك كله سيشكل عامل ضغط إضافي على من هم في العمر الإنتاجي من سكان الإقليم مما يعني تضاعف التوتر الاجتماعي وقابليته لانفجار جديد.

أخيرا، لا بد من التنويه بالتحول المحتمل في الدور الاجتماعي للدين الذي يلعب اليوم دورا مفصليا في العالم العربي، وتشير كافة المعطيات إلى أن دوره سيتعاظم أكثر في الأفق المنظور.

وفي حال لم تظهر في هذا الإقليم أيديولوجيا جديدة جذابة- وجميع المعطيات تشير إلى أنها لن تظهر وليس لأسباب دينية إنما لأسباب عولمية ذات علاقة بتراجع دور الأيديولوجيا في العالم المعاصر عموما- فإن الخطاب الديني والهويات الدينية ستحتفظ بدورها كمصدر رئيس للإلهام وإنتاج المعنى عند النخب الفكرية، في البلدان العربية.

وبصرف النظر عن احتمالات التطور المحددة والتي تتعلق مساراتها بطبيعة كل بلد من البلدان، فإن الإسلام في جميع المجتمعات العربية، إذا ما خضعت للتحديث، يمكن أن يشغل المكانة نفسها تقريبا التي يشغلها الدين في الدول الأنجلوسكسونية.

إلى ذلك، ففي البلدان التي سيكون عليها خوض طريق إعمار ما بعد الحرب، وهو طريق بالغ الصعوبة، فإن دور الهويات الدينية سيبقى كبيرا جدا، بل يمكن للدين أن يغدو أساسا لبنية الدولة ومنظومة العلاقات الاجتماعية. وأما السمة السائدة في عموم الإقليم فستكون الدفع باتجاه مجتمع وحيد اللون طائفيا والتضييق على الأقليات الدينية، الأمر الذي لن تحدده الأحداث المحتملة في العام 2050، إنما الصراعات الجارية اليوم.

تطور النزاعات بين الدول

دينامية تطور النزاعات ستشكل عاملا إضافيا محددا لطبيعة تطور منطقة الشرق الأوسط. فمن الواضح أنه، وبصرف النظر عن طبيعة تطور الأحداث في البلدان العربية، فهي ستحتفظ ببؤر التناقضات والاختلالات القائمة، الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية والدينية وغيرها، مما سيجعلها عرضة لتحديات داخلية وخارجية ومخاطر قابلة للانفجار في أي وقت.

وفي الوقت الذي لا معنى فيه لتوقع نزاعات جديدة في العالم العربي، فمن الواضح للعيان أن دينامية تطور الصراعات القائمة حاليا، سواء في ليبيا أم في سوريا واليمن وغيرهما، ستشكل عاملا محددا في رسم خارطة الإقليم وطبيعة تطورة وآفاقة المستقبلية بالمجمل.

وعلى العموم، فالنزاعات القائمة حاليا يمكن توقع أن تسير وفق أحد السيناريوهات الثلاثة التالية:

أولا، السيناريو الإيجابي، متمثلا باستعادة بنية الدولة ومؤسسات الحكم والإدارة ووحدة أراضي البلاد؛ ثانيا، السيناريو المعتدل السوء، متمثلا بانفراط عقد الدول وتقسيمها واقعيا، بما في ذلك عبر كونفيدرالية أو فيدرالية شكلية تأتي نتيجة موضوعية لضعفها وعجز مؤسسات الحكم فيها، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان مركز الدولة المتحكم بالأطراف وتشكل تدريجي لمراكز حكم انفصالية هناك. وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن تتقسم ليبيا إلى دولتين أو ثلاث، وعلى الأرجح اثنتين، واليمن إلى دولتين، وسوريا كحد أدنى إلى ثلاث دول، مع أن هناك من الخبراء من يتحدث عن دويلات أكثر عددا من ذلك. علما بأن بعض الدويلات المتشكلة من انفراط الدول يمكن تنضم إلى دول قائمة حاليا، فبرقة يمكن أن تنضم إلى مصر وكوردستان السورية إلى كردستان العراق.. وهكذا.

وبالنتيجة، ينجم عن التقسيم دويلات ضعيفة غير قابلة للحياة، من ناحية افتقارها إلى الموارد الاقتصادية اللازمة. كما أن نقص الموارد وضعف مؤسسات الحكم من شأنه أن يقود إلى تفاقم النزاعات في أوساط النخب وربما إلى مزيد من تفتت هذه الكيانات.

وأما السيناريو الثالث، الأكثر سوءا، فيفترض استمرار الصراعات المسلحة زمنا طويلا، والانهيار التام لمؤسسات الدولة ونكوص اجتماعي نحو البدائية.

السيناريوهان الأخيران، يعنيان إمكانية كبيرة لانتقال الصراعات المسلحة إلى بلدان الجوار، كالأردن ولبنان وتركيا والمملكة العربية السعودية والمنطقة عموما وصولا إلى إيران، ومن تونس والجزائر لتشمل المغرب برمته.

ولكن، حتى في حال سارت الأمور وفق أفضل السيناريوهات فمن الواضح أن إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي سيحتاج إلى ما لا يقل عن 10-20 عاما.

الأفق الإقليمي

إذا ما نظرنا إلى المنطقة ككل، فإننا نلاحظ ظروفا أخرى تلعب دورا في تحديد طبيعتها المستقبلية. وهي تتمثل قبل كل شيء بالعمليات التكاملية بين دول الإقليم. فها هي العمليات التكاملية في منطقة الخليج الدائرة في إطار مجلس التعاون الخليجي تمضي إلى أبعد حدود التكامل بين الدول في منطقة الشرق الأوسط.

ولكن، وعلى الرغم من إمكانية المحافظة على وتائر التكامل بين دول المجلس، في حال تطور الأحداث الطبيعي في الدول الأعضاء، فمن المستبعد أن تمضي هذه الدول في طريق إقامة مؤسسات سياسية فوق قومية، فهي على الأغلب ستركز اهتمامها على التعاون الاقتصادي والعسكري وربما الحقوقي، دون الوصول إلى أي شكل من أشكال الوحدة السياسية. فالخوف من فقدان السيادة السياسية سوف يقيّد لفترة طويلة قادمة نهج عمليات التكامل بين هذه البلدان.

وأما في بلاد الشام والعراق فإن العمليات التكاملية إذا ما أطلقت فهي ستسير في ظروف ما بعد الصراعات المسلحة البالغة التعقيد وعلى خلفية فقدان هذا الإقليم لسيادته على الحلبة الدولية. وفي حين أن التكامل الاقتصادي في هذا الإقليم يبدو ضعيف الإمكانيات فإن بنيات سياسية من نمط كونفيدرالية بين بلدانه من شأنها أن تزيد من فرصه في تخفيض حدة النزاعات بين مكوناته وتساعد في إعادة تشكيل خارطة المنطقة.

أخيرا، فالتكامل بين دول المغرب العربي عبر محور شرق-غرب يبدو ضعيف الاحتمال، فالأنظمة السياسية القائمة هناك متنوعة ومكتفية بذاتها-عدا ليبيا- والروابط الاقتصادية التي تجمعها ضعيفة. وبالتالي، فالحظ أوفر لتكامل اقتصادي في الإطار المتوسطي عبر محور شمال-جنوب، من التكامل العربي-عربي. وعلى العموم، ففي الأفق البعيد سيبقى الإقليم تابعا لمراكز القوة الخارجية.

بنتيجة ما سبق كله، ترتسم لوحة مستقبلية للمنطقة، إن لم تكن قاتمة فهي مقلقة في أقل تقدير، مليئة بالنزاعات والمخاطر الاجتماعية والاقتصادية والاضطرابات السياسية. وأما التغلب على التحديات التي تلوح في الأفق فيتطلب من العالم العربي البحث عن أفكار خلاّقة وإيجاد حلول إبداعية جديدة، وقدرة على استيعاب تجربة التقدم العالمية لتحديث الدولة والسير في طريق التطور.

 فاسيلي كوزنيتسوف- باحث سياسي، مدير مركز الدراسات العربية والإسلامية في معهد الاستشراق بموسكو التابع لأكاديمية العلوم الروسية

نشر هذا المقال لاول مرة في موقع russiancouncil.ru

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي