الفضاء ما بعد السوفييتي، إلى متى يستمر

نظرة سريعة تفيد بأن مفهوم "الفضاء ما بعد السوفييتي"، أو "فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي" مرتبط بمرحلة انتقالية. وهذا المفهوم يثبّت واقعا معينا ظهر بعد انهيار الفضاء السوفييتي الموحد. فقد ظهرت على خارطة العالم 15 دولة مستقلة. وكل منها عبرت طريقا صعبا نحو البناء القومي والشرعية الدولية.
tushit_468
المصدر:دميتري ديفين

المكونات الدولية الجديدة، تربطها علاقات غير بسيطة وغالبا معقدة جدا مع بعضها البعض، وقبل كل شيء مع المركز السوفييتي السابق للقوة العسكرية والاقتصادية والسياسية الذي تشغله روسيا الاتحادية حاليا، بوصفها وريثة الاتحاد السوفييتي. ليس هناك علاقات دبلوماسية بين أربع من الجمهوريات الخمس عشرة السوفييتية السابقة (بين أرمينيا وأذربيجان، وبين جورجيا وروسيا). ومسائل الحدود التي لم تتم تسويتها بصورة نهائية بعد تسمم العلاقات بين جميع جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية السابقة. ومع أن روسيا وأوكرانيا لم يقطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما إلا أن علاقاتهما اليوم عند أدنى مستوى منذ ديسمبر/كانون الأول 1991، عام الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي.

الدول المستقلة الجديدة، تكاملت مع الاقتصاد والسياسة الدوليين إلى درجة بعيدة. كما أن لاعبين دوليين كبارا مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبلدانا أوروبية أخرى منفردة، والصين الشعبية واليابان وتركيا وإيران ومؤسسات حلف شمال الأطلسي، عينت مصالحها في الفضاء السوفييتي السابق. وبالنتيجة، تحولت أراضي الدولة الموحدة السابقة إلى ساحة للتنافس بين كثير من الدول.

الماضي التاريخي المشترك الذي وحد في يوم من الأيام شعوب الاتحاد السوفييتي، لم يعد يلعب دور العامل الجامع. يتولد عن ذلك السؤال المنطقي التالي: إلى متى سيكون الحديث في محله عن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة التي تربطها حدود الفضاء السوفييتي السابق؟  فلم تعد تتوافر الشروط لبعث الدولة الموحدة التي كانت قائمة في يوم من الأيام. ثم، أليس من الأجدى إحالة هذا المفهوم الذي لا يناسب واقع العصر الراهن إلى الأرشيف؟  

عرى وثقى بين السوفييتي وما بعد السوفييتي

يصعب تقديم إجابات بسيطة وقاطعة عن الأسئلة المطروحة أعلاه كما قد يبدو للوهلة الأولى. قبل كل شيء، وبصرف النظر عن  التشرذم الكبير ضمن الفضاء الذي كان في الماضي مشتركا والصراعات الحادة في داخله، فإن هذا الفضاء لا يزال يحتفظ بعلاقته مع الماضي السوفييتي. وبالفعل، ففي ديسمبر/كانون الأول، 1991، تم شكليا ومن وجهة نظر حقوقية تفكك الاتحاد السوفييتي، إلا أن العملية التاريخية لهذا التفكك بالكاد بدأت، ونحن نعيشها الآن. فذلك التفكك، أطلق صافرة البداية لتشكل دويلات وبنيات قومية نشهدها اليوم. ذلك ما نراه في النزاع الذي لم يسو بعد في إقليم دونباس، وفي بريدنيستروفييه (ترانسنيستريا)، وناغورني قره باخ، وفي موازاة ذلك، نجد الوضع السياسي والقانوني العالق دوليا في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية والقرم.

وهكذا، فعملية تفكك الدولة الواحدة لم تقم على أسس حقوقية قانونية تحدد بشكل واضح التناقضات داخل مكوناتها، وفيما بين هذه المكونات، وسبل حلها. إنما تم التفكك انطلاقا من مصالح سياسية. إلى ذلك، فالدول الجديدة المستقلة، رغم انفصالها عن الاتحاد السوفييتي لم ترغب في التخلي عن إرث "إمبراطورية الكرملين" وعن الحدود القومية الموروثة المرسومة من قبل هذه الإمبراطورية. نحصل بالنتيجة على مفارقة: فالمكونات الجديدة، من جهة، لا تريد سلطة موسكو ونفوذها، ولكنها مستعدة لقبول الأرض المرسومة من قبل المركز الاتحادي، ومن دون تطوير أي آليات جديدة من حيث المبدأ لضمان وحدة شعبها ودولتها. وبالنتيجة، تصطدم هذه الدول بأزمة مشروعية وجودية تتمثل بتخلي جزء من السكان عن تقبل مشروع الدولة الجديدة وعن اعتباره مشروعهم، والانتقال إلى نموذج المواجهة لحسم النزاعات القومية والسياسية.

وثمة معضلة في أن الدول التي تعاني نزاعات قومية سياسية، لا تحاول إيجاد الحلول الملائمة عبر مراجعة تجربتها مع بناء الدولة واللجوء إلى الحوار، إنما تبحث عن حليف خارجي مربح، أي تلجأ إلى دعم الدولة الجديدة من الخارج بدلا من تقوية بنيانها الداخلي. وإذا كان تحقيق ذلك متعذرا بمساعدة موسكو، تجدهم يتوجهون للتعاون مع الغرب.

أمام ذلك، لا يعود تقسيم الإرث السوفييتي المشترك قضية الوارثين وحدهم. وفيما لموسكو مصلحة في أن يكون إيصال تفكك الاتحاد السوفييتي إلى نهاية منطقية "شأنا داخليا" خاصا بالجمهوريات السوفييتية السابقة دون غيرها، تجد كثيرا من الدول المستقلة الجديدة تبحث عن مشاركة لاعبين خارجيين. هذا التباين في المدخل إلى هذا الاستحقاق التاريخي يكسب تقاسم تركة الاتحاد السوفيتي بعدا نزاعيا إضافيا، ويؤخر بالتالي الانتهاء من العملية التاريخية لتفكك الاتحاد السوفياتي، إلى مكونات مستقرة ونهايات آمنة.

روسيا لا تستطيع أن تعزل نفسها

الدور المفصلي في تحديد تكوينات فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي، ستلعبه روسيا الاتحادية، بصرف النظر عما إذا قويت مواقفها أم ضعفت. وهناك ثلاث سيناريوهات أساسية هي الأكثر احتمالا لتطور الأحداث في ذلك الفضاء الذي كان موحدا في العهد السوفيتي:

السيناريو الأول، ينظر في إمكانية الانتهاء من عملية تفكك الاتحاد السوفيتي بصورة إيجابية مثلى. إنما تحقيق هذا السيناريو يعتمد على تعزيز سياسة وطنية خاصة مستقلة ضمن الدول الجديدة، إلى جانب بناء علاقات براغماتية مع نخب وطنية جديدة من "البلد الأم" السابق. في هذه الحالة، تظهر فرصة لتسوية النزاعات القومية والاعتراف المتبادل بالحدود والانتقال إلى مستوى جديد من السياسة الخارجية التي لا ترتبط قسريا مع الماضي السوفييتي. وبالتالي، فالحديث يمكن أن يدور عمليا عن وضع خط تحت الإرث المشترك. وبعد ذلك، يمكن لكل بلد أن يختار لنفسه السياسة الخارجية التي تناسبه والتي لن تبنى أولوياتها على تصفية الحسابات مع الجيران أو مع مركز الاتحاد السابق، إنما حول مواجهة التحديات الملحة في المجالات الاقتصادية والتنموية الاجتماعية والأمنية. في حال نجاح هذا السيناريو، يصبح الفضاء ما بعد السوفييتي من الماضي التاريخي، وعلى أساسه تقوم تشكيلات جديدة.

السيناريو الثاني، يفترض انسحاب روسيا. فضغط العقوبات أو المشاكل السياسية الداخلية على خلفية تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية تولّد نزوعات تنابذية تضعف إلى درجة بعيدة الدولة الروسية. إنما تدهور مؤسسات الدولة في الدولة القائدة في الفضاء ما بعد السوفييتي يمكن أن يؤدي إلى فوضى تتجاوز حدود الاتحاد السوفييتي السابق لتبلغ "أوروبا الكبيرة". ذلك أن شمال القوقاز وحده، مع تناقضاته القومية والمذهبية والطائفية المتعددة، كفيل بالقضاء على الاستقرار في هذا الجزء من العالم لفترة طويلة، ناهيكم بالحديث عن إمكانية حماية الأسلحة النووية الروسية، في حال عمت الفوضى.

السيناريو الثالث، ويمكن تسميته افتراضيا بسيناريو "اشتداد المنافسة"، يفترض الحفاظ على روسيا كلاعب رئيس. إلا أن الدول القومية الجديدة لن تحاول زيادة كفاءاتها الداخلية إنما ستستمر في السعي، بمختلف السبل، لجذب اللاعبين الخارجيين لحل مشكلاتها ودعم بنيتها الحكومية وسياستها الخارجية القائمة على مواجهة موسكو. وهنا، يمكن لمخاطر إضافية أن تظهر في حال وظف اللاعبون الخارجيون تدخلهم لردع روسيا وتهميشها. ففي مثل هذا المنحى لتطور الأحداث، سيظل الفضاء ما السوفييتي لسنوات إقليما لاستنساخ عدم الاستقرار.

وهكذا، فالحفاظ على روسيا قوية ومسؤولة وقادرة على لعب دور الراعي لتسوية المسائل القومية والسياسية وتحقيق الاستقرار النهائي في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق أمر مفيد من وجهة نظر براغماتية للنخب القومية الجديدة في الجمهوريات المستقلة، وليس فقط لروسيا. إلا أنه من دون تحول هذه النخب إلى جهات سياسية مستقلة فاعلة تسعى إلى تحقيق مصالح بلدانها، بدلا من لعب دور الأداة في خدمة أهداف الآخرين وخططهم، ستطول عملية استكمال انهيار الاتحاد السوفياتي وتشكل واقع جديد بدلا من الفضاء ما بعد السوفييتي.

سيرغي ماركيدونوف- أستاذ مساعد بقسم السياسة الأجنبية الإقليمية والخارجية في الجامعة الروسية للعلوم الإنسانية. خبير في مجلس الشؤون الخارجية الروسي.       

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي