ما هي قطاعات الاقتصاد الروسي التي تخطت عتبة النمو

خبراء: "يعود الاسهام الأكبر في كبح هبوط الاقتصاد الروسي في عام 2015 إلى القطاعات المُصَدِّرة، التي أبدى انخفاض الروبل تأثيراً محفزاً عليها".
Russian economy
المصدر:Shutter Stock/Legion Media

في أواخر خريف 2015، خلصت مجموعة متنوعة من المحللين إلى أن الاقتصاد الروسي انتقل من مرحلة الهبوط إلى النمو. وقد بينت الدراسة التي قامت بها وكالة التصنيف (S&P) في الربع الثالث من العام الحالي، أن الاقتصاد الروسي حقق نمواً بنسبة 0.5% بالمقارنة مع الربع السابق، بعد عام كامل من التراجع. علاوة على ذلك، وكما أوضحت تاتيانا ليسينكو- الاقتصادية البارزة في وكالة (S&P) في حديثها لصحيفة الأعمال الروسية"فيدوموستي"- فإنه من المفترض أن نشهد نمواً لاحقاً في الربع الأخير من عام 2015 ويمكن حتى أن نتحدث عن استقرار في الاقتصاد الروسي.

بوادرلانتعاش عام 

"تدل حركة مؤشرات الإنتاج في الصناعة على نهاية الهبوط في عدد من القطاعات الرئيسة للاقتصاد الروسي"، حسب ما ورد في التقارير العملياتية الشهرية لرصد الحالة الاقتصادية في البلاد، والتي تقوم بإعدادها "الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني وإدارة الدولة"، بوصفها المعهد الاقتصادي القريب من الحكومة الروسية. علاوةً على ذلك، تشير المعطيات الاحصائية لشهر أيلول 2015 التي نشرتها "روس ستات" (الخدمة الاتحادية للإحصاء) في 19/10/2015، إلى أن الإنتاج الصناعي تجاوز بالفعل نقطة الحد الأدنى للانتاج. وتشير نتائج الحسابات إلى توقف انخفاض الإنتاج في قطاع الثروات الطبيعية والقطاعات التحويلية. كما أظهرت البحوث الأكاديمية نمواً في قطاع الوقود والطاقة وانتاج المواد الغذائية والصناعات الكيميائية والمعدنية.

يقول قسطنطين كوريشينكو(رئيس قسم أسواق الأسهم والهندسة المالية، في الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني وإدارة الدولة، والنائب السابق لرئيس البنك المركزي): "يعود الاسهام الأكبر في كبح هبوط الاقتصاد الروسي في عام 2015 إلى القطاعات المُصَدِّرة (قطاع الطاقة والزراعة والصناعات الكيميائية)، التي أبدى الانخفاض الكبير لقيمة الروبل، تأثيراً محفزاً عليها. مما سمح بالحفاظ على ربحيتها حتى في ظروف تراجع أسواق المواد الخام العالمية".

وحسب كلامه، بالنسبة لبعض القطاعات (وبالأخص، القطاعات التي لا تعتمد في إنتاجها على القسم الأكبر من المكونات المستوردة) فتحت أمامها مجالات جديدة في الأسواق العالمية لم تكن متاحة لها سابقاً. ويرجع ذلك إلى انخفاض التكلفة الفعلية لمنتجاتها بمرتين تقريباً، مما سمح للمصنعين تخفيض أسعار البيع بشكل حاد.

المخاطر الأساسية

يرى الخبراء أن الخطر الرئيس على الاقتصاد الروسي، يبقى المستوى العالي للتضخم. وحسب كلام قسطنطين كوريشينكو، فإن ارتفاع معدلات التضخم في العامين 2015-2016، سيلتهم، على الأغلب، المزايا التنافسية للشركات الروسية. حيث يقول: "في ظل الاضطرابات العالمية الشديدة الاقتصادية والسياسية، تبقى سيولة الاستثمارات الأولوية الأهم بالنسبة للمستثمرين الأجانب".  ولذلك، فإن الخيارات المتاحة أمامهم ليست بالعديدة. من الأفضل توظيف الموارد في الأسهم الممتازة والمشاريع ذات السيولة الأعلى المدعومة من الدولة الروسية، وفي المقام الأول، على هيئة شراكة بين القطاع الخاص والدولة.

الخطر الآخر هو استمرار انخفاض الإنتاج على نطاق البلد عموماً. وبالرغم من أن المعطيات التي نشرتها "روس ستات" حول الإنتاج الصناعي في روسيا في 17/11/2015 كانت أفضل قليلاً من المتوقع، إلا أنها مع ذلك تدل على هبوط الصناعة. إجمالاً، شكَّل مؤشر الإنتاج الصناعي (في الفترة ما بين كانون الثاني إلىتشرين الأول من عام 2015) 96.7%  بالمقارنة مع قيمته في نفس الفترة من عام 2014. أي أن الصناعة الروسية انخفضت بنسبة 3.3% بالمقارنة مع العام الماضي. ولكن بعض المؤشرات جاءت أفضل مما كان متوقعاً. على وجه الخصوص، بلغ مؤشر إنتاج الثروات الطبيعية 10.4%  وفقاً لنتائج الفترة (من كانون الثاني وحتى تشرين الأول لعام 2015). وللمقارنة، سجل إنتاج الفحم نمواً بنسبة 5.5%، وازداد إنتاج النفط بنسبة 1.3%. كما أظهر قطاع الزراعة نمواً كبيراً أيضاً.حيث ازداد إنتاج اللحوم بنسبة 13.9% وإنتاج الأجبان بنسبة 21.6% والطيور الداجنة بنسبة 10.2%. 

وثمة مشكلة أخرى تتمثل في نقص الاستثمارات. في حديثها لصحيفة "فيدوموستي"، تقول تاتيانا ليسينكو: "من وجهة نظر الاقتصاد الكلي، هناك ظروف لنمو الاستثمارات، ولكن الأموال وحدها لا تكفي". فهذا يتطلب، حسب كلامها، انتظار الطلب على المنتجات، وما يعيق ذلك لغاية الآن،عدم اليقين والتقلبات الشديدة في سعر الصرف. ولذلك، وفقاً لتوقعات وكالة (S&P) بعد الانخفاض بنسبة 3.6%  في عام 2015، سيكون نمو الاقتصاد في عام 2016 في ظل السعر المتوقع للنفط (55 دولار للبرميل، مقابل 54 دولار للبرميل في 2015) صفرياً تقريباً، أي حوالي 0.3% . وفي عام 2017، يمكن أن يصل إلى1.8% (عند سعر 65 دولار لبرميل النفط).

أمثلة على الاستثمارات

على الرغم من الحذر العام الذي يبديه المستثمرون، إلا أن هناك مؤسسات جديدة بدأت تظهر في روسيا، بما في ذلك، مؤسسات يشارك فيها مستثمرون أجانب. ففي نهاية عام 2015، ستفتتح الشركة الألمانية العملاقة للصناعات الكيميائية والصيدلانية "ميرك"(Merck) خط إنتاج في روسيا.وهي تعتزم إنتاج أدوية لعلاج مرض السكري والقصور القلبي. ومن المقرر بلوغ الدورة الكاملة للإنتاج في النصف الثاني من عام 2016. وفي المجمل، تخطط الشركة لإنتاج حتى 1.5 مليار حبة دواء سنوياً، مما سيلبي كلياً احتياجات السوق الروسية. 

تقول التشن أرغون، نائب الرئيس التنفيذي لشركة ميرك: "روسيا بالنسبة لنا، إحدى البلدان الرئيسة بين الأسواق النامية. ونحن نخطط لتعزيز مواقعنا هنا، وقد وضعنا استراتيجية طويلة الأمد للتطوير. وإحدى مراحل هذه الاستراتيجية هي توطين إنتاج أهم الأدوية وأكثرها طلباً". وحسب ما ذكرته التشن أرغون، فإن الشركة ستستثمر حتى نهاية عام 2016 فقط،10 مليون يورو في إنتاج الأدوية  في المصنع الذي يقع في منطقة "كيروفسكايا أوبلاست" في شمال روسيا.

بدورها، راهنت شركة ألمانية أخرى (PhoenixContact) على تطوير صناعة الآلات الروسية. هذه الشركة المتخصصة في إنتاج أنظمة التحكم الآلي بالعمليات التكنولوجية، (وتعود إليها براءة اختراع المشابك أوالوصلات الكهربائية) قررت بدءإنتاجها الخاص ليس بعيداً عن موسكو .ويبلغ الحجم الإجمالي للاستثمارات المخطط لها حوالي 10 مليون يورو. على قطعة أرض تفوق مساحتها الهكتار، ستتموضع صناعة منتجات كهربائية وإلكترونيات صناعية عالية التكنولوجيا.

يقول فرانك شتيورينبيرغ، الذي يترأس الشركة:" بالنسبة لشركة "فوينيكس كونتاكت"، تعدّ روسيا سوقاً استراتيجية هامة. وتشييد خط الإنتاج في ضواحي موسكو يعدُّ خطوة منطقية في سياق الاستراتيجية العالمية لتطوير الشركة".

في الوقت نفسه، يقدم الخبراء نصائح للمستثمرين بأن يلتفتوا بنظرهم إلى أسواق جديدة. يقول غيورغي فاشينكو، رئيس إدارة العمليات في سوق الأوراق المالية الروسية في شركة "فريدوم فينانس" للاستثمارات: "تشهد خدمات التجارة الإلكترونية تطوراً نشطاً  الآن. وبلغت معدلات النمو أكثر من 25% في عام واحد. كما تشعر تجارة التجزئة وقطاع تكنولوجيا المعلومات بنوع من الارتياح. حيث بلغ نمو المبيعات 15%  بالنسبة للشركات الكبيرة". ولكن أسوأ الأوضاع عاناها مصنعو السيارات.حيث انخفضت الإيرادات بنسبة 25-35%.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي