من الذي حقق في مقتل الأسرة القيصرية؟

في آذار/ مارس عام 1917 تنازل قيصر روسيا، نيقولاي الثاني، عن العرش. وبعد سنة ونصف السنة انتهت حياته وحياة أسرته. في تلك اللحظة ظهر على مسرح التاريخ المحقق نيقولاي سوكولوف، الذي بفضل ما قام به، بتنا نعرف ما جرى للأسرة القيصرية. بقي سوكولوف، حتى آخر أيامه، يتابع هذا التحقيق، الذي قامت السلطات الروسية الحالية بجمع وثائقه من مختلف أنحاء العالم.
القيصر الروسي نيقولاي الثاني وعائلته. (ريا نفووستي)
القيصر الروسي نيقولاي الثاني وعائلته. (ريا نفووستي)

نيقولاي سوكولوف، شخصية في التاريخ الروسي لا يعرفها إلا القلة، ولكن للعالم أن يكون على ثقة الآن، من أنه يعرف القصة الحقيقية عن وفاة آخر قيصر روسي، بفضل هذا الإنسان بالذات.

ولد سكولوف بتاريخ 22 أيار/ مايو 1882 في محافظة بينزا، ودرس الحقوق. قبل الثورة عمل محققا قضائيا. وبحلول العام 1917 كان قد وصل إلى مرتبة محقق في القضايا بالغة الأهمية، لدى محكمة دائرة بينزا.

وبعد الثورة وإطاحة الملكية، بقي مخلصا للنظام القديم. "أخذ سوكولوف إجازة، وتوجه إلى سيبيريا"، كما يقول فلاديمير سولوفيوف، المحقق الأقدم في الإدارة العامة للقضايا الجنائية التابعة للجنة التحقيق الروسي، والذي أصبح خلفا لسوكولوف في أيامنا هذه، فابتداء من العام 1993 وحتى العام 2011، ترأس التحقيق الذي استؤنف بقضية آل رومانوف، ووصل به حتى نهايته.

في منطقة ما وراء الأورال التقى المحقق ممثلي حكومة سيبيريا التي أنشأها الجيش الأبيض إبان الحرب الأهلية. وهناك عمل لدى النيابة العامة في إركوتسك، وأموسك لاحقا. أما في يكاتيرينبورغ، حيث وقعت مأساة الأسرة الإمبراطورية، فقد وجد نفسه مع جيش حكومة سيبيريا بعد ثمانية أشهر من اعتقال نيقولاي الثاني.

كتب سوكولوف يقول :" في الخامس من شباط/ فبراير استدعاني الأدميرال (الكسندر كولتشاك قائد الجيش الأبيض - ملاحظة المؤلف)، والقى على عاتقي مسؤولية التحقيق".

كان يدرك سوكولوف أنه كلف بقضية ستغدو بالغة الأهمية في تاريخ روسيا كلها. وفيما بعد، ذكر في كتابه "اغتيال الأسرة القيصرية"، ما يلي :"في عملنا القضائي، غالبا ما نبحث عن الحقيقة استنادا إلى وقائع معروفة للجميع.

هذه الوقائع تتصف هنا بطابع خاص، فهي وقائع تاريخية".

ولولا معلومات سوكولوف، كما بات جليا الآن، لكان من الصعب على أبناء عصرنا التدقيق في أحداث ذاك الزمن. اليوم، يقول فلاديمير سولوفيوف إن "مأثرة سوكولوف الرئيسة تكمن في أنه استطاع إثبات أن الأسرة القيصرية قد أعدمت، بالفعل، رميا بالرصاص. آنذاك كان ثمة روايات مختلفة عن مصير آل رومانوف، وضمنا روايات أدت إلى ظهور ورثة العرش الأدعياء".

التحقيق في روسيا

 وفي وقت لاحق يذكر سوكولوف أن أقوال الشهود والأدلة المادية التقت في أمر واحد، أي أن "عملية القتل تمت يوم 17 تموز/ يوليو".

تحقيق جديد

استمر الاهتمام بتفاصيل مقتل الأسرة القيصرية، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. واضطر المهتمون بهذا الأمر إلى البحث في مختلف أنحاء العالم عن الوثائق التي جمعها سوكولوف؛ ففي بعض البلدان تسنى الاتفاق على تسليم نسخ عنها لروسيا، وفي بلدان أخرى تم شراؤها. وكان أمير ليختنشتاين قد اشترى أرشيفات سوكولوف في مزاد سوثبي، وسلمه لروسيا. إن جزءا كبيرا من مواد التحقيق والأدلة المادية وجد في جوردنفيل بالولايات المتحدة الأمريكية، وفي بروكسل، وفي معابد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في الخارج.

وبات معروفا الآن أن رجال "اللجنة الاستثنائية" كانوا يتوقعون دخول قوات البيض إلى المدينة، ولذلك سارعوا إلى إخراج جثث أسرة رومانوف ونقلها إلى محلة "غانينا ياما"، حيث كان يوجد منجم مهجور. تقول المؤرخة لودميلا ليكوفا إن "المحقق اكتشف هناك عددا هاما من أجزاء عظام مقطعة ومحروقة، وأشياء ومواد تم التعرف عليها من قبل أشخاص مقربين من الأسرة القيصرية".

آنذاك، طرح سوكولوف فرضية مفادها أن الجثث حرقت، ولكن فيما بعد تم دحض هذا الاستنتاج. وتبين أن رجال "اللجنة الاستثنائية" طمروا الجثث بعد أن فشلوا في حرقها.

الهجرة والوفاة

 على الرغم من أن البيض منيوا بالهزيمة، وتراجعوا باتجاه الشرق، فقد واصل سوكولوف تحرياته. جمع وثائق لا تقدر بثمن، وحافظ عليها، وأخرجها من البلاد.

وتضيف ليكوفا أن تلك الوثائق أرسلت إلى فرنسا على دفعتين: على متن سفينة حربية، وفي عربة قطار خاصة للبريد الدبلوماسي.

أما سوكولوف نفسه فقد غادر روسيا إلى باريس في آذار عام 1920.

وفي أوروبا لم يصدق أقرباء آل رومانوف المحقق، بل كانوا يعتقدون أن الأسرة القيصرية حية ترزق.

في السنوات الأخيرة من عمره، أعد سوكولوف تقريرا كاملا عن تحرياته وقدمه للإمبراطورة الأرملة، ماريا فيودروفنا، والدة نيقولاي الثاني. ووضع، استنادا إلى مواد التحقيق، كتابا بعنوان "اغتيال الأسرة القيصرية".

وبقيت حتى أيامنا هذه شهادات على أن المحقق كان يريد العودة سرا إلى روسيا ومواصلة تحرياته. ولكنه توفي في باريس عام 1924، وهو في الثالثة والأربعين من العمر.

 
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي