التقاليد الأبوية تسيطر على حياة المرأة الشيشانية

يشكّل تدفق المهاجرين والتهديدات الإرهابية تحدياً كبيراً للتسامح الأوروبي. وستستمر أوروبا في البحث عن وسيلة للتعايش السلمي بين الناس المنتمين إلى خلفيات ثقافية ودينية متباينة. وتواجه روسيا تحديات مماثلة في شمال القوقاز، المنطقة المعروفة بتقاليدها الفريدة والغامضة في بعض الأحيان. وقد بحثت مجلة "أوغونيك" في حياة المرأة في الشيشان المعاصرة.

AP

أسبوعيا يوجد عرس أو عرسان في قرية أتشكوي- مارتان الشيشانية. يرقص الناس مع غياب واضح للعروس. حيث تنتظر بهدوء طوال اليوم في إحدى زوايا بيت عريسها. وقد سبق لوالدتها الانتظار في زاوية مماثلة وكذلك جدتها، وكذلك ستفعل ابنتها أو حفيدتها في المستقبل. لكنهن قد لا يفعلن ذلك!

لقد وصلنا إلى بيت أمينة التي أخبرتنا عن حياة الشابات الشيشانيات قائلة:" إنهن يضعن الماكياج بطريقة معتدلة حسب رأيي. ويرتدين التنانير القصيرة، التي تصل إلى ما فوق الركبة بقليل. وإذا كنت تستطيع تصديق ذلك فإن العروس ترقص في عرسها".

تخبز زوجة ابن أمينة الخبز من دقيق الذرة، وتجلس على الطاولة. وكان ابن أمينة قد أُعجت بهذه الفتاة، فذهبت أمينة "للتحقق منها". ولا تهتم أمينة فيما إذا كانت الفتاة طويلة أو قصيرة، نحيفة أو سمينة. بل المهم هو أن تكون العروس المحتملة محتشمة، إضافة إلى أصل والديها.

وقد تزوجت أمينة أيضا وفقا للتقاليد الشيشانية- كانت في 18 من عمرها. جاء أقارب زوجها ورتبوا الزواج. وقدم والد أمينة موافقته.

سألتُ أمينة:"هل كنت تحبين خطيبك". فأجابت:" حسنا، كيف سأشرح هذا؟ على الأغلب لا. لكن تم إرغامي. كنت حينها قد أنهيت المدرسة، وحلمتُ بإكمال دراستي, أردتُ أن أصبح خياطة. لا أحد يرغب بالزواج. إنه عملٌ صعب. عندما تزوجت بكيتُ. واستغرق الأمر عامين للتأقلم. كنت أغسل الملابس وأكويها وأحضر المائدة، وأرتب كل شي بصمت. كنت أقول لنفسي:" لستِ الأولى ولن تكوني الأخيرة. كوني قوية. وكان الأمر كذلك..."

وتعتقد أمينة اليوم أن قلبها هو أقوى عضلات جسمها. فقد عانى كثيراً وعلى الأغلب تحول إلى حجر.

تمشينا إلى الخارج ووقفنا بالقرب من الحظيرة. حيث يغطي الروث العشبَ.

وتقول شاكية:" لا يمكن لك أن تتخيلي كيف عشنا حياتنا، حيث كنا نسمع يومياً الانفجارات وأصوات الطائرات الحربية. كنت أسأل نفسي لماذا أنجبت أطفالاً- إنهم لن يروا يوماً جيداً. الأطفال.... عندما كان أطفالنا يُقتلون، كنا نقف بوجوه متحجرة. لا يمكنك الصراخ. يجب كبت كل شيء في داخلك. هذه هي العادات".

الجمعة

الزفاف غداً. لا أعرف العروس ولا العريس ولا حتى العائلة. سأذهب إلى هناك من دون دعوة. يمكن العثور على العروس اليوم في صالون تجميل.

في صالون "المقص الذهبي" وسط غروزني تُسمع ضحكات النساء ممتزجة مع أصوات مجففات الشعر.

معظم اللواتي يعملن هنا أرامل. وصاحبة الصالون أرملة، امرأة طويلة ترتدي الأسود. اسمها نوربيكا. تمتلئ رفوف محلها بمستحضرات التجميل. ونوربيكا هي امرأة أعمال نادرة في الشيشان.

عملت نوربيكا لـ25 عاماً كرئيسة معلمين في مدرسة. قبل الحرب، كان زوجها معلّما أيضا، وتوفى في حادث سيارة. وبعد اندلاع الحرب انتقلت نوربيكا مع أطفالها الخمسة إلى روستوف وعادت إلى الشيشان للعمل في متجر، لأن لم يقبل أحد توظيفها في روستوف. عندما رأت بعض الزملاء في متجر اختبأت تحت الطاولة خجلاً، لكنها قالت لنفسها:" لا تخجلي من الناس. الناس لن يطعموا أطفالك. من سيدفع لك؟

يُعدّ عمل المرأة وصمة عار للرجل. فهذا يعني أنه غير قادر على إطعامها. لكن الحرب، كما يقولون في الشيشان، قلبت الأشياء رأساً على عقب. فالرجال، الذين كانوا يتعرضون للإهانات عند نقاط التفتيش بحضور النساء والأطفال، لم يستطيعوا إيجاد عمل. وبعد الحرب بدأت النساء بالنظر إلى العمل بطريقة مختلفة.

في روستوف، بدأت ابنة نوربيكا بتوزيع مستحضرات التجميل. وقررت نوربيكا مساعدتها، وفي ليلة رأس السنة لعام 1999، بدأت بيع مستحضرات التجميل في غروزني. ولم تصدق ما حدث- رغم احتدام الحرب، كانت النساء تشتري كل شيء. وفي أسبوع واحد، كسبت نوربيكا 20 ألف روبل، وفور انتهاء الحرب افتتحت صالون تجميل ونادي بيلياردو. دخل أولادها جميعاً الجامعات. وبنت منزلاً جديداً مكان المنزل المدمر. وأصبح الرجال يحترمونها.

واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة .....

يمتلك بيبيرد وظيفة عالية المستوى في وزارة الداخلية. أجلسُ بمنزله في أروس-مارتان. ويجلس على الطاولة أمه وزوجته وابنتاه اللتان أنهتا المدرسة.  تبدو أمه امرأة طاعنة في السن- العمل الشاق وإنجاب عديد من الأطفال يعجّل من شيخوخة نساء الشيشان.

وتمضي المرأة الشيشانية أفضل أيامها عندما تصبح مسنة. حينها تقوم كنتها بجميع الأعمال. تجلس لويسا، زوجة بيبيرد، بهدوء- فالطريق أمامها طويل حتى تصبح مسنة.

عام 1999، غادر بيبيرد منزله مرتديا قميصا أبيض ومعطفاً أبيض من جلد الغنم قائلاً:" سأعود غداً"، لكنه لم يعد، لا في اليوم التالي، ولا حتى في اليوم الذي بعده. وانتظرته والدته لأشهر عديدة أمام منزلها على مقعد خشبي. وأحيانا كانت تنزل إلى المدينة لتسأل الجميع إذا رأوا ولدها. وكان الجواب عدة مرات:" نعم، لقد رأيناه. لقد ملقى وهو ينزف على الثلج".

وتقول لويسا المرأة المخلصة للتقاليد الشيشانية:" لقد قال إنه سيعود": ومن المحرم الإشارة إلى الزوج باسمه.

"واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة إلى اليمين، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، إلى اليسار، واحد، اثنان، ثلاثة...." وعاد بيبيرد يوماً هارباً من قناص عربي. لقد كان يركض على الثلج باتجاه مدرسة غروزني التي كانت مخفراً للجنود الروس. لقد كان يركض والعلم الروسي في يده.

يقول بيبيرد:" في الجيش علمونا أن أفضل قناص يحتاج إلى ست ثوان ليركّز على هدفه. عليك أن تعدّ إلى أربعة ثم تتجه يميناً، ومرة أخرى إلى أربعة واتجه يسارا..."

وصل بيبيرد المدرسة وأخطأه القناص. تدبر أمر وصوله إلى السطح وزحف حتى رفع العلم الروسي. وتم قنص العلم، لكن بيبيرد عاد ليرفعه مرة أخرى".

ويكمل قائلاً:" لن يكون صحيحاً إذا قلتُ أنني كنت خائفاً. عندما تتولى مثل هذه المهمة يقولون إنك ستفكر بحياتك وعائلتك.... لا، هذا ليس صحيح. لديك هدف واحد- الوصول إلى المكان الذي ستضع فيه العلم. إنه الكبرياء الشيشاني".

وأخيراً، عندما عاد بيبيرد، لم تكن هناك أية معانقة ولا "أحاديث إضافية". كانت لويسا تنظر إليه، مخفية تنهيدة في صدرها، وذهبت لترتيب المائدة. في هذه العائلة الشيشانية، وكما في العائلات الشيشانية الأخرى، تبقى المشاعر محتجزة بقفل ومفتاح.

Reuters

الجذور

عادل بيك ماغومادوف، عالم إثنوغرافيا في وزارة الثقافة وخبير في التقاليد الشيشانية. خلال الحرب الشيشانية كان يُطلب منه عند حواجز التفتيش خلع سرواله لإظهار ركبتيه. حيث كانت الركبتان دليلا على أن الرجل لم يزحف على الأرض حاملا بندقية بيديه. وبالنسبة للرجل الشيشاني مجرد إيقافه يُعدّ إهانة.  

ويشرح ماغومادوف قائلاً:" تأسست الشيشان الحديثة بعد غياب شمس القبيلة الذهبية. في وقت ما من القرن الـ15 عاد الشيشانيون من المناطق الجبلية إلى السهول. وكانت السهول في ذلك الوقت تنتمي إلى قبيلتي الكوميك والكباردية. وهذا هو السبب الذي جعل حرب الاستيطان في القرن الـ17 حربا لا تنتهي، والتي شاركت فيها كل عائلة. حيث بُنيت العلاقات الأسرية على التبعية المطلقة للكبار. وحفاظا على سلطة أفراد العائلة في مختلف الأجيال، تم إبقاء مسافات كبيرة بين أفرادها، وخاصة الأب. وأصبحت المرأة صانعة القرار في العائلة. وللحفاظ على السلطة توجّب على الأب إبقاء مسافة بينه وبين أطفاله. فالأطفال لا ينادونه "أبي". بل يسمونه اسماً خاصا به بالمنزل".

ويضيف ماغومادوف:" تعود كثير من العادات الشيشانية إلى الأزمنة القديمة. والتي لا يمكن تفسيرها اليوم. يوجد تابو على الاسم. ولا يُسمح للمرأة مناداة زوجها باسمه. ولا يُسمح للعروس مناداة أقارب زوجها المقربين بأسمائهم. وهذه عادات قبلية. لكن يتم تعويض ذلك: فمثلاً، لتبدأ عروس شابة التحدث معك يجب أن تقدّم لها هدية".

فسألتُ:" لكن مع كل هذه الإجراءات المرهقة، هل يمكن أن تكون المرأة الشيشانية سعيدة؟" فأجابني:" أنت تنظرين إلى الجانب الرسمي فقط. لكن الزوجة، على سبيل المثال، تطلق على زوجها أسماء مضحكة. والمسافة بين الأقارب لا تقتصر بين الزوج والزوجة. عندما قابلتُ والد زوجتي كان عليّ أن أظل واقفاً حتى يدعوني إلى الجلوس. في حال وجود غريب في بيته، لن أجلس حتى لو دعاني إلى ذلك. وهذه العادات موجودة ليس بين الشيشانيين فحسب، بل في شعوب أخرى. لا تصدّقي كل شيء تشاهدينه. لدينا نظام كامل لتعويض النساء- فإذا تنازلت المرأة عن شيء فستحصل على امتياز في شيء آخر".

سألته:" أخبرني، هل المرأة الشيشانية محاربة؟" فأجابني:" في تقاليد المجتمع الشيشاني، سيشعر الرجل بالإهانة إذا استخدمت النساء السلاح. فإذا قُتل أقرباء مقربون من المرأة، فسيتولى جيرانها المسألة. وإذا قُتل جيرانها أيضا، سيتولى أهل القرية ذلك. أما هي فلا تشارك في نزاع دموي. إذا قتلت هي أحد ما، فلن يتم الانتقام منها بل من زوجها أو أخيها أو والدها".

حلقة شيشانية

Reuters

أرض خرسانية، سياج عال، إضاءة كهربائية خافتة. ورجال يشكّلون حلقة من 50 أو 100 رجل، لا أستطيع أن أحكم. يمكن سماع آنات الرجال لتدب الحياة في الدائرة- ويبدأون المشي باتجاه عقارب الساعة ببطء. ويتكئ الرجال على أرجلهم اليمنية ويميلون برؤوسهم، ويصفقون ويصرخون.

وترتفع الوتيرة. وترتفع الأصوات الذكورية "لا إله إلا الله". ويجعل إيقاع الأغنية قلبك يخفق بقوة. والرجال في غيبوبة. والجمهور في غيبوبة. يبدو أن التقاليد الشيشانية لن تندثر طالما يتم تعليم الأطفال الذكور رقص "الذكر الصوفي"، أحد أشكال التفاني الصوفية.

توفت امرأة مسنة في هذا المنزل. في وقت سابق تم لفها بسجادة ودُفنت. وجاء مئات من أقاربها. ويرقص هؤلاء الرجال رقصة الوداع من أجلها.

ويقول الملّا:" بالأمس غادرت هذا المنزل جدّة. لقد حافظت على السلام في هذا المنزل. كانت أكثر أهمية من أي شخص آخر، أكثر أهمية من الرجل. لقد غادرتنا، لكن أفعالها الخيّرة لا تزال باقية هنا. لم تأخذ شيئا معها، بل على العكس، تركت الكثير..... وهل تعرفون لماذا كانت أكثر أهمية من الآخرين؟ لأنها كانت تقف حتى عندما كان يدخل- قال الملا مشيرا إلى طفل في السادسة من عمره- حفيد حفيدها. هذه هي التقاليد".

تم نشر المقال الأصلي في  مجلة "أوغونيوك"

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي