أحداث رسمت سياسة روسيا الخارجية هذا العام، ولها تداعياتها في العام القادم

موقع " روسيا ما وراء العناوين" يستعرض مع قرائه أهم أربعة أحداث في سياسة روسيا الخارجية خلال عام 2015، ويتوقع أن تحدد أجندة روسيا السياسية في عام 2016.
Russian Aerospace Force pilot
بدأت قوات الطيران الروسي العملية العسكرية في سوريا في 30 سبتمبر/أيلول. المصدر:RIA Novosti

بداية الحملة العسكرية في سوريا

فاجأت عملية القوات الجوية الروسية ضد الإسلاميين المتطرفين التي بدأت في أواخر شهر سبتمبر/ أيلول معظم المراقبين، ولم يظهر في أوساطهم رأي موحد حول الأسباب التي دفعت روسيا إلى اتخاذ هذا القرار، ويشير بعضهم إلى أن قرار موسكو يمكن أن يكون قد تأثر بعدة عوامل منها:

  • عدم نجاح التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.
  • محاولة دفع الحوار السياسي بشأن سوريا إلى الأمام.
  • التخوف من أن غياب روسيا سوف يدفع الغرب إلى فرض منطقة حظر جوي فوق سوريا على غرار ما حدث في ليبيا. 

وهناك رأي مفاده بأن قرار إشراك القوات الروسية في سوريا جاء نتيجة الوضع شبه الكارثي للجيش النظامي السوري، فقد قال ديميتري يفستافيف عضو مجلس العلاقات العامة " بي آر ـ سنتر" لموقع " روسيا ما وراء العناوين": " لو أن الحملة العسكرية الروسية لم تبدأ، لكان نظام الرئيس السوري بشار الأسد قد سقط مع نهاية هذا العام، فقد كان واضحاً أنهم أخذوا يضيقون الخناق عليه".

وبهزيمة الأسد كان يمكن أن تعمّ سوريا " الفوضى الإسلامية" التي سرعان ما ستنتقل إلى أفغانستان وطاجكستان الواقعتين على مقربة مباشرة من حدود روسيا الاتحادية.

أما الآن فقد تغير الوضع، وانتقلت المبادرة العسكرية إلى النظام السوري، وحقق الأسد وحلفاؤه نجاحات كبيرة، وتمكن من استعادة إدارة المناطق التي يسيطر عليها وحشد القطعات العسكرية المنتشرة فيها.

وأكد الخبير يفستافيف بأن " هناك نجاحات جدية في المحافظات الجنوبية، وفي منطقة دمشق الكبرى، وفي محيط حلب استعيدت السيطرة الكاملة على مناطق مهمة جداً من الناحية الاستراتيجية".

ويتفق المحللون على أن الحملة العسكرية الروسية في سوريا سوف تستمر بشكلها الحالي حتى شهر يناير/ كانون الثاني تقريباً، مع احتمال زيادة التواجد العسكري الروسي بعض الشيء. وبحسب اعتقاد أناتولي كورتونوف رئيس المجلس الروسي للعلاقات الخارجية؛ فإن ذلك يمكن أن يرتبط بالظروف الجوية ( بدء العواصف الرملية التي تعيق تحليق الطائرات)، وبالتالي فإنه يمكن استغلال هذا الوقت لتنشيط التسوية السياسية. أما التطورات اللاحقة فسوف تعتمد في كثير من النواحي على مواقف بلدان المنطقة: بلدان الخليج وإيران وتركيا، وعلى مدى رغبتها في تقديم تنازلات بخصوص مسألة مستقبل سوريا السياسي.

تحطم طائرة " سو ـ 24"

RIA Novosti

أدت حادثة تحطم طائرة " سو ـ 24" الحربية الروسية التي أسقطتها القوات الجوية التركية فوق الأراضي السورية في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي إلى انتقال تركيا إلى صدارة المشهد في المسألة السورية، أعقبه تدهور حاد جداً في العلاقات الروسية التركية.

وتحدثت وسائل الإعلام عن إمكانية نشوب نزاع مسلح بين روسيا وتركيا التي تعدّ عضواً في حلف الناتو، بل حتى مع الحلف نفسه، غير أن موسكو لم تلجأ إلى الرد العسكري، بل إلى فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، وارتبط رد الفعل الروسي على هذا النطاق الواسع بتصور موسكو بأن أعمال تركيا حملت طابعاً استفزازياً مبيتاً.

ودفعت ملابسات هذه الحادثة الخبراء الروس، ومن بينهم يلينا سوبونينا من المعهد الروسي للبحوث الاستراتيجية، إلى الاعتقاد بأن ذلك كان بالفعل حركة استعراضية وفعلاً سياسياً مبيّتاً، وأن الرئيس التركي طيب رجب أردوغان أراد بهذه الصورة أن يستعرض " ما يشبه القبضة الحديدية" لتعزيز شعبيته بين الجماهير.

ويرى أناتولي كورتونوف، أن أردوغان ـ من خلال إعطائه الأمر بإسقاط طائرة " سو ـ 24" أراد التأكيد على استياء أنقرة من أعمال موسكو في سوريا، ذلك أن تركيا كانت تتحدث منذ زمن بعيد عن إنشاء منطقة حظر جوي فوق الأراضي التي يتواجد فيها التركمان السوريين عند الحدود التركية ـ السورية.

ويجمل كورتونوف حديثه قائلاً إن أردوغان يحاول إظهار نفسه كمدافع عن التركمان، فمن خلال إسقاط الطائرة الروسية أرادت القيادة التركية أن تقول إن هؤلاء الناس، بغض النظر عما إذا كانوا من أنصار الأسد أو حتى من معارضيه المتطرفين، يتواجدون تحت حماية تركيا.

ويعتقد المحللون أن تركيا لم تتوقع مثل هذا الرد من روسيا، وترى سوبونينا أن الأتراك " لم يتوقعوا أن ترد روسيا بصورة واسعة تشمل كل طيف التعاون الاقتصادي"، وتضيف سوبونينا أن العلاقات التي نشأت على مدى عقود بين موسكو وأنقرة أخذت تتداعى جراء حادثة المقاتلة الروسية، وأن الأمر سوف يتطلب س "ليس أسابيع أو أشهر، بل سنوات" من أجل استعادة هذه العلاقات.

ويعتقد كورتونوف أنه سيكون من الصعب حالياً، سواء بالنسبة إلى موسكو أو أنقرة، التراجع عن مواقفهما، وأنه " من الممكن تخفيف التوتر في العلاقات، ولكنها لن تعود إلى الشكل والحجم السابقين".

ويؤكد المحللون أنه بالإضافة إلى العلاقات الثنائية، هناك ضحية أخرى للخلاف الناشئ ما بين موسكو وأنقرة، وهي الجهود الرامية إلى تشكيل تحالف دولي حقيقي لمكافحة " الدولة الإسلامية"، حيث يشير هؤلاءالمحللون إلى ظهور عوائق كثيرة على طريق إنشاء هذا المشروع، نتيجة التباين الكبير في مواقف القوى الفاعلة من وسائل التسوية الشرق أوسطية.

مينسك ـ 2

على خلفية الأزمة السورية تراجع الاهتمام بالوضع في منطقة دونباس إلى المرتبة الثانية، علماً بأن الأزمة الأوكرانية كانت تتصدر الأجندة الروسية على مدى فترة طويلة من العام 2015، ومن المستبعد أن يفقد الوضع في منطقة دونباس أهميته في العام القادم، بغض النظر عن الهدوء الحالي.

سارت تسوية الأزمة في دونباس تحت شعار ضرورة مراعاة اتفاقيات " مينسك ـ 2" التي عقدت في العاصمة البيلاروسية في 12 فبراير/ شباط من العام 2015. آنذاك، وبعد ماراثون من المباحثات التي استمرت ساعات طويلة، تمكن قادة روسيا وألمانيا وفرنسا وأوكرانيا من تنسيق الخطوات الرئيسة التي يجب اتخاذها لوقف إطلاق النيران وبدء العملية السلمية في جنوب شرق أوكرانيا.

وعلى الرغم من وجود " مينسك ـ 2"، فقد استمرت العمليات الحربية وإطلاق النيران، وإن فقدت الكثافة السابقة، حتى أواخر الصيف، ولم يحل الهدوء الحقيقي في دونباس إلا في سبتمبر/ أيلول الماضي.

ويرى الخبراء أن وقف إطلاق النيران كان نتيجة انضمام الولايات المتحدة الأمريكية الفعلي إلى عملية مينسك والضغط على كييف من جانب الغرب. وفي إشارة إلى زيارة فيكتوريا نولاند نائبة وزير الخارجية الأمريكي إلى كييف في شهر يونيو/ حزيران الماضي وتواجدها في البرلمان الأوكراني، قال يوسف ديسكين عضو الغرفة الاجتماعية الروسية  لموقع " روسيا ما وراء العناوين" إن " روسيا استطاعت أن تقنع الغرب عموماً بأن موقفها موجه نحو تقليص النزاع إلى حده الأقصى، وأن موقف أوكرانيا يزيد من آلام الصداع بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إلى الحد الأقصى".

ويستمر كلا الجانبين، كييف ودونباس، باتهام بعضهما بعضاً بخرق اتفاقيات مينسك، كما تجدد إطلاق النيران، ولكن من الأسلحة الخفيفة.

أما الاختبار الحقيقي لجدية الأطراف في مراعاة اتفاقيات مينسك فسوف يكون إجراء الانتخابات المحلية التي أجلتها سلطات دونباس إلى شهر فبراير/ شباط القادم، ويجب أن يعطي هذا التأجيل كلا الجانبين، وكييف بشكل رئيس، الوقت لإصدار القوانين التي تشملها اتفاقيات "مينسك ـ 2"، ولا سيما بشأن تقديم حكم ذاتي واسع لأقاليم جنوب شرق أوكرانيا.

ولكن حتى الآن، لا تتحدث وسائل الإعلام عن أي تقدم في قضية الموافقة على القوانين المذكورة، ما يجعل مستقبل إلغاء العقوبات المفروضة على روسيا ضبابياً، لأن الغرب يرى في نجاح تسوية مينسك بالتحديد الشرط الرئيس لهذا الإلغاء.

صفقة في المسألة الإيرانية

لم تكن الاتفاقية بشأن برنامج إيران النووي، التي أُبرمت في منتصف يوليو/ تموز من العام 2015، مفاجأة. ذلك أن عدداً كبيراً من الاتفاقات المبدئية بين ممثلي" السداسية" (البلدان الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا) وإيران جرى تنسيقه منذ شهر أبريل/ نيسان من العام نفسه.

وفي يوليو/ تموز تم التوصل إلى تسوية نهائية ومقبولة للطرفين، وتتضمن الاتفاقية بين " السداسية" مع إيران إلغاءً تدريجياً للعقوبات المفروضة على طهران مقابل فرض قيود جدية على تطوير البرنامج النووي الإيراني الذي يهدف، برأي الغرب، إلى حصول إيران على الأسلحة النووية.

وكان الدور الذي لعبته موسكو في تحقيق هذه الاتفاقية مفاجئاً بالنسبة للعواصم الغربية، وقد أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قائلاً: " لقد أثار دهشتي إلى أي درجة شارك بوتين والحكومة الروسية في ذلك ( يقصد المسألتين الأوكرانية والإيرانية)، فلم نكن نستطيع التوصل إلى هذه الاتفاقية لولا استعداد روسيا للعمل معنا ومع أعضاء السداسية الآخرين لتحقيق اتفاقية جيدة". 

بعض المراقبين يتساءل بحيرة: لماذا أيدت روسيا هذه الصفقة، فبعد رفع العقوبات سوف يعود النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى انخفاض أكبر لأسعار هذه السلعة المهمة للصادرات الروسية.

ويشير ديميتري يفستافيف من مركز العلاقات العامة " بيار سنتر" إلى أن موسكو ترى أن إيجابيات هذه الاتفاقية أكثر من السلبيات الممكنة، فروسيا بحاجة إلى إيران باعتبارها شريكاً جدياً. وبحسب قول بيتر توبيتشكوف المسؤول في برنامج " قضايا عدم الانتشار" لدى مركز كارنيغي في موسكو فإن تحرر إيران من العقوبات يحمل آفاقاً جيدة بالنسبة إلى روسيا، وفي مقدمتها في مجال التعاون العسكري ـ التقني، وكذلك فيما يتعلق بالتكنولوجيات النووية ذات الطبيعية السلمية، وكانت وسائل الإعلام قد أشارت إلى أن تكلفة العقود المتوقعة في المجال العسكري فقط تقدر ما بين 20 ـ 70 مليار دولار. 

ويؤكد الخبراء أن إيران مهمة مبدئياً بالنسبة لروسيا من زاوية تشكيل سياسة اقتصادية داخلية وخارجية متعددة الاتجاهات.

كذلك فإن طهران منخرطة مع موسكو في الأزمة السورية وتدعم الرئيس الأسد، ويعتقد كوتونوف بأن رفع نظام العقوبات سوف يضيف الشرعية على أعمال إيران في المنطقة وعلى الساحة الدولية على حد سواء.

قمم " بريكس" و"منظمة شنغهاي للتعاون"

استضافت مدينة أوفا الروسية في يوليو/ تموز من العام 2015 قمتين معاً لمجموعة " بريكس" و" منظمة شنغهاي للتعاون"، ففي قمة " بريكس" ( البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب أفريقيا) اتخذت خطوة نحو تحويل هذه المجموعة إلى منظمة كاملة، أما النتيجة الرئيسة لهذا اللقاء فكانت بحسب رأي الخبراء فقد كانت الإطلاق الفعلي لآليات المالية، مثل مصرف التنمية لدى " بريكس" واتحاد الاحتياطيات المالية.

وبالنسبة إلى موسكو فإن ذلك يمثل أهمية خاصة، فعلى خلفية العقوبات المفروضة عليها وجدت روسيا نفسها في كثير من النواحي معزولة عن أسواق رؤوس الأموال، أما المشاريع الأولى في هذا المجال، فسوف يبدأ مصرف التنمية الذي يصل رأسماله إلى 100 مليار دولار بتمويلها في عام 2016.

أما قمة " منظمة شنغهاي للتعاون" ( تضم هذه المنظمة كلاً من روسيا والصين وكازخستان وطاجكستان وقرغيزيا وأوزبكستان) فقد شهدت، باعتقاد بيتر توبيتشكانوف، تغيراً نوعياً في هيكلها، وسوف تعطي البنية الجديدة الموافقة على طلب الهند وباكستان الانضمام إلى هذه المنظمة.

ويرى ألكسندر لوكيانوف رئيس مركز دراسات بلدان شرق آسيا ومنظمة شنغهاي للتعاون لدى معهد موسكو للعلاقات الدولية، أن ذلك يجعل منظمة شنغهاي للتعاون لاعباً دولياً أكثر قوة، ويحولها إلى " ثاني قطب غير أوروبي في أوراسيا"، بينما تحصل موسكو على آلية قوية جديدة لتنفيذ مصالحها السياسية الخارجية.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي