عائلة روسية شيشانية: اتحاد مبني على التقاليد

هي: رسمياً، إحدى أنجح النساء الروسيات، هو: عالم معروف وشريك زوجته في عملها الضخم، لهما أربعة أولاد، ثلاثة بالغون وابن صغير، وشركة شكولاتة " كونفاييل"، ولكن الهام والمدهش أنه بعد 38 عاماً من الزواج لا يتصوران حياتهما غير ذلك.
تصوير: أليكسي كوزميتشيوف
تصوير: أليكسي كوزميتشيوف

تعرّف عدنان وإيرينا على بعضهما في الساحة الحمراء بموسكو في عام 1975، في 14 فبراير/ شباط، آنذاك لم يكن أحد يعلم بأن هذا اليوم هو يوم العشاق، وبعد سنة ونصف تزوجا، وانتقلت إيرينا إلى بيت عدنان، في البداية إلى جمهورية أُدمورتيا الواقعة في القوقاز حيث كان يعمل، فبعد تخرجه من الجامعة تم فرزه إلى هناك للعمل في بعثة للتنقيب عن النفط، ثم إلى مدينة غروزني عاصمة الجمهورية الشيشانية، حيث عاشا معاً 16 سنة حتى اندلاع الحرب هناك.

من جهة إيرينا كان ذلك بمثابة مأثرة، ولكن حتى عدنان الذي تحافظ عائلته بعناية على شجرة العائلة التي تضم 25 جيلاً، فقد أضطر أن يراهن بأشياء كثيرة، حيث خاطر ليس فقط بفقدان احترام الأقارب له، بل كذلك بأن يبقى من دون عائلة أصلاً، وتفسر إيرينا قائلة:" إن بعض القوميات ـ بسبب قلة عددها ومعاناتها الشديدةـ تحاول الحفاظ على لونها الواحد وتكّون أسرها داخل قوميتها، وفي تلك السنوات كان الزيجات الأممية لدى الشيشان ظاهرة نادرة جداً بشكل عام، وأعرف قصصاً كثيرة عن أصدقائنا القوقاز، وعن معارفنا من الرجال الذين لم يتجرأوا على الزواج بحبيباتهم من قوميات أخرى لأنهم مالوا لصالح العادات والتقاليد، وبسبب الزواج بامرأة من قومية أخرى كان يمكن للأهل أن يقاطعوا ابنهم، وفي حالتنا كان يمكن أن يكون رد فعل العائلة أي شيء، ولكننا كنا محظوظين جداً، لأن والديّ وأقارب عدنان رحبوا بزواجنا بحرارة، إنهم عائلة مستقيمة وورعة ومتحابة جداً، ومن جهتي فقد حاولت أن أكون زوجة صالحة، حتى أن والدة عدنان هتفت في إحدى المرات قائلة:" كنت أتمنى لو أن جميع أبنائي تزوجوا من روسيات".

تصوير: أرشيف شخصي

تقاليد أخرى

تقول إيرينا بأن "العادات في غروزني مختلفة تماماً، لقد جئتُ من لينينغراد غارقة في الموضة ومعتادة على ارتداء السراويل والتنانير القصيرة، أما في الشيشان فكان ارتداء ذلك كله ممنوعاً، فلم أرتديه، وبالمقابل كنت أرتدي المنديل مثل كل النساء الشيشانيات، ذلك أنني لم أكن روسية غريبة فقط، بل زوجة رجل شيشاني أيضاً، وهذا يعني أن عليّ أن أتناسب مع هذه المكانة، كان ذلك صعباً عليّ، كنت أشعر بنوع من الانتهاك لحقوقي، ولكنني كنت أدرك أنني لا يمكن أن أفعل غير ذلك، والأهم أن أحداً لم يطلب مني شيئاً بقسوة، ولم يقل أحد لي:" ضعي المنديل"، بل إن ذلك جرى بصورة طبيعية، فقط شقيقة عدنان سألتني:" أليس عندك منديل؟ اختاري من فضلك!".

وفي الشيشان تقليد آخر أتعبني جداً، فمهما كان الشخص الذي يدخل إلى الغرفة عليك أن تقف له، وكان غريباً جداً أن تقف باستمرار، ولكن عندما كنت أدخل إلى الغرفة كان الجميع يقف لي، حتى حماتي، والآن فعلى العكس، أصبحت أستغرب أن أرى في موسكو وفي روسيا بشكل عام كيف يردون عليك التحية وهم جلوس، وليس نادراً أن يتكلموا معك جالسين عندما تكون واقفاً، إن المسألة لا تعدو كونها إيماءة لا أكثر ولا أقل، ولكنها تعني الكثير، تعني أنني" لاحظتك وأريد أن أظهر لك الاحترام"، والآن أعتبر عدم الوقوف بمثابة قلة تأدب، وعدمَ مراعاةٍ للتقاليد التي كانت مستغربة بالنسبة لي في يوم من الأيام".

 يجب أن يخرج الضيف راضياً

تصوير: أرشيف شخصي

تحافظ هذه العائلة بعناية على تقاليد استقبال الضيوف وتحترمها، و" حسبما أذكر، فقد كان عندنا ضيوف دائماً، بغض النظر عن الوضع المادي، حتى في أصعب الأوقات كان يمكن ببساطة أن تركض لشراء سمك الرنجة والبطاطا و... المائدة جاهزة".

وعن موضوع الضيوف يمكن لإيرينا أن تتحدث ساعات، وتقول بأنها كانت مع عدنان أسرة غير طبيعية أبداً، فعلى استقبال الضيوف كان يذهب جزء كبير من ميزانية الأسرة، حتى في تلك السنوات التي كان ذلك ملموساً جداً، وغالباً ما كنا نضطر قبل نهاية الشهر للعيش أسبوعاً كاملاً على الفكة المتبقية من شراء الضيافة للزوار، فقد كنا نرمي الفكة في حصالة، وبعد ذلك كنا نعيش عليها كيفما اتفق.

تلعب التقاليد في حياة هذه الأسرة دوراً كبيراً، فهل هذه مزحة؟ امرأة روسية ورجل شيشاني، مسيحية أرثوذكسية ومسلم، سيدة أعمال وعالِم، اتحاد قابل للانفجار، رابطة خطرة، علاقة يستطيع الحفاظ عليها فقط ذلك الشخص المستعد للسير نحو التضحية من أجل الإنسان الذي يحبه.

 الأولاد الكبار والصغار

أبناء عدنان وإيرينا بالغون تماماً، جميعهم حصلوا على تعليم جيد، ويمارسون أعمالهم التجارية الخاصة، ولكن الوالدين يحاولان كل يوم بالضرورة التحدث مع كل واحد منهم، على الأقل بالهاتف، يقول عدنان: " إذا مر يوم ولم نسمع فيه بعضنا بعضاً فإننا نصاب بالقلق، ولا يمكن غير ذلك، فهذا غير طبيعي، إن العلاقة مع الأهل لا يجب أن تنقطع حتى ليوم واحد"، ويضيف عدنان:" كما أنه من المهم تقدير الفعل، تشجيع بعضنا البعض، مدح الأفعال اللائقة، فأنا أقول لأحد أبنائي: يا لك من بطل، ما أروع السيارة التي أهديتها لوالدتك، وللثاني: ذكي، لقد أنهيت الدراسة في جامعة موسكو بعلامة امتياز، وللثالث: أنا فخور بأنك دافعت عن أطروحة الدكتوراه، أنا أضع الواحد منهم مثالاً للآخر، وأقدر استعدادهم للمجيء في أية لحظة من أجل المساعدة والوقوف كالجبل خلف بعضهم البعض، فتقييمي مهم بالنسبة لهم، وكذلك اهتمامي بأعمالهم ونجاحاتهم، كما يجلب لي السرور اهتمامهم ومبالاتهم".

ما سر هذه الرابط غير العادي؟

تقول إيرينا: " أريد أن أوضح لماذا وافقنا أصلاً على هذه المقابلة التي تكشف بصدق حياة أسرتنا، المسألة أنه يوجد أشخاص ينظرون باستخفاف غير مبرر إلى الزواج، ولا يحركون ساكناً من أجل الحفاظ عليه، إنها أصعب مهمة في حياة الإنسان، إنها الأصعب، فحافظوا على بعضكم البعض، على علاقاتكم، على الحب وعلى العائلة".

 

نشرت هذه المقالة أول مرة في مجلة "№"(نومير) باللغة الروسية

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي