عرس عصري على النمط القوقازي

يصدر في 16 آذار/ مارس من العام الجاري، عن دار نشر "هيئة تحرير يلينا شوبينا"، كتاب جديد للكاتبة الداغستانية الشابة أليسا غانييفا. والكتاب بعنوان "العريس والعروس". اشتهرت هذه الكاتبة بعد أن أصدرت، تحت اسم مستعار، كتابا بعنوان "السلام عليك، يا دلغات"، تدور أحداثه في العاصمة الداغستانية، محج قلعة. "روسيا ما وراء العناوين" تنشر مقتطفات من الكتاب الجديد الذي يتحدث عن شبيبة هذا العصر في القوقاز.
غلاف كتاب جديد للكاتبة الداغستانية الشابة أليسا غانييفا. والكتاب بعنوان "العريس والعروس". (press photo)
غلاف كتاب جديد للكاتبة الداغستانية الشابة أليسا غانييفا. والكتاب بعنوان "العريس والعروس". (press photo)

منذ معرفته بها، ومارات يذكر أنها تعاني من صعوبة في المشي. يبدو أن ساقها أصيبت بالتواء عندما سقطت من سطح بيتها الذي كان قيد البناء. وشاه أيضا كان، من حين لآخر، يأتي ثم يغيب. تراءت لمارات وجوه من كانوا فيما مضى رفاقا، وزملاء في المدرسة.. انهالت عليه أسئلتهم حول مكتبه الموسكوفي للمحاماة، وعن مغامراته الجسورة. ومن تلك الأسئلة:
ـ وهل لك علاقة جدية بفتاة ما في موسكو؟
تملص مارات من السؤال بمزحة موفقة. أشخاص كثر، زرافات ووحدانا، كانوا يتقدمون إلى الميكرفون بلا انقطاع.. منهم المهنئون، والناصحون، ومبدعو الأنخاب الجديدة والمتكررة، التي يتنبأ أصحابها للخطيبة المسكينة بذرية من عشرة أطفال، بل وحتى من خمسة عشر ولدا وبنتا. بعد ذلك، من مكان ما في الخلف، تسللت نحو مارات أمه، وقد ارتدت من الملابس خصيصا لهذه المناسبة، وفي اذنيها قرطان على شكل زهرتين جميلتين مع ماسات مزيفة (فليفكر الناس أنها حقيقية!)، وكانت إلى جانبها امرأة، شعرها مصبوغ باللون الأشقر، وترتدي  ثوبا يشبه جلد فهد.
قالت الأم:
ـ مارات ... سلم على خالتك لويزا.
سلِّم مارات عليها ، وتذكر، بصعوبة طبعا، أسماء أبناء لويزا ، واسم زوجها.
ـ معقول ؟؟ - قالت الأم ، وهي تهز ضفيرتها المعقودة على نقرتها، وتومئ برأسها للويزا "الفهدة" التي وافقت برغبة على ما قالته الأم ، التي تابعت قائلة:
 ـ لقد جعلوا من حفل الخطوبة عرسا طنانا رنانا. أتذكرين كيف كانت تسير الأمور في الماضي؟ بكل هدوء، وفي المنزل، وضمن دائرة صغيرة من المقربين، كانوا يأتون بصندوق جهاز العرس إلى الخطيبة، ويقدمون لها الهدايا، ويبحثون التفاصيل التي لا بد منها.. وهذا كل شيء. أما هنا.. الآن؟ لقد حجزوا صالة في المطعم، والناس كثر، كما في الحج. ولكن، لابأس. العروس فتاة رائعة، والعريس صقر من الصقور. أليس كذلك؟ أذكر كيف كان في صغره يأتي إلينا راكضا. آديك كان يحبه.   
فكر مارات في سره:
"كذبٌ هذا الكلام. آديك لم يكن يحب عبداللايف، بل على العكس ، كان يخاف منه"
 ولكن مارات لم يعارض والدته، خاصة وأنه لاحظ تهدج صوتها عندما ذكرت اسم "آديك".
ـ وهناك، بالمناسبة ، ابنة أخ لويزا..
 ومرة أخرى، بدا عليها الانتعاش، وبحركة مقصودة أشارت بذقنها نحو الراقصين، وأضافت:
 - يالها من حسناء..! انظروا كيف تتحرك! منتهى الرشاقة.. أليس كذلك؟ أما خصرها؟ فهو أرق من أصبعي.
ـ لا داعي لذلك يا خديجة ! – ضحكت "الفهدة" – لا تتقولي على ابنة أخي، فهي ليست نحيفة بالمرة. ولا هزيلة!  بل هي تتغذى كما يجب. إنها موفورة الصحة، ومرحة أيضا.

ـ وماذا قلتُ، يا لويزا ؟ متى قلت إنها هزيلة؟ ها هي مويشكا، ابنة غادجييف.. هزيلة كالموت بعينه. ويداها نحليتان؟ ماذا ليدين كهاتين أن تعملاه؟ الطبخ؟ ربما ليس لديها ما يكفي من القوة لفتح الفرن المنزلي. أما ابنة أخيك ، فتدخل السرور على القلب. ليرزق الله كل امرأة كنة مثلها!
دونما أي اضطراب تمعن مارات ابنة أخ لويزا، فأدرك أن عبارات الإطراء التي أسرفت فيها أمه، مجرد نفاق. قوام الفتاة يعجبه، ولكنه في الحقيقة لم يستطع أن يتبيِّنَ وجهها كما يجب. شعرها الطويل الذي يصل إلى أسفل ظهرها، كان ينسال أحيانا على صدرها، وعلى وجنتيها فاقعتي الحمرة بفعل المكياج. تذكَّرَ مارات وجه باتي الطفولي، الذكي، فأحس بمزيج من الدفء والحزن.

أليسا غانييفا

أليسا غانييفا (29) تقيم في موسكو، وتعمل محررة وناقدة أدبية. في العام 2009 فازت روايتها "سلام عليك، يا دلغات" بجائزة "ديبيوت" للأدباء الشباب.  صدرت الرواية باسم "الكاتبة الداغستانية المبتدئة غوللا خيراتشيفا". بطل هذه الرواية شاب يعيش حياة عاصفة في العاصمة الداغستانية محج قلعة، حيث تدور الأحداث في أجواء غنية بوقائع الحياة القوقازية. وتعكس الرواية نظرة ذكورية إلى العالم، ما يجعل من الصعب التصديق بأنها من تأليف فتاة.

همست له أمه، وهي تتراجع، مع الخالة لويزا، نحو طاولات النسوة:
 ـ ادعها للرقص يا مارات ، ادعها ..
تتبع مارات الفتاة بكسل ظاهر، وهي تجلس في مكانها، في الصدارة مباشرة، إلى جانب خطيبة عبداللايف. التقط من على إحدى الطاولات وردة مهملة، اسودت نهايات وريقاتها، وتقدم نحو ابنة أخ لويزا.

لاحظت أن شخصا ما يقترب، فالتصقت بجهاز هاتف حديث الطراز، وتظاهرت أنها صماء عمياء، همها الوحيد أن تنقر بأصابعها المنعمة على الشاشة الحساسة. مد مرارات الوردة لها، فوضعت الهاتف جانبا ونهضت متباطئة، وهي تنظر لا إلى مارات، بل إلى النساء المبتسمات الجالسات بجوارها، وإلى خطيبة عبداللايف، التي لا تزال بُنية صغيرة.. وهذا ما تسنى له أن يلاحظه وهو على مقربة منها، خاصة منظر وجهها الجانبي النحيف الذي يبدو على شكل زاوية.

تبين أن ابنة اخ لويزا قرينة ممتازة في الرقص.. لم تكن تنزلق بمهارة وكأنها تسبح على أرضية المطعم المبلطة، بل كانت تشكل بساقيها، على وقع الموسيقى السريعة، كل ما يخطر بالبال من استدارات وحركات مبهرة، حتى بدا لمارات أنها دارت معه لمدة تزيد عن الدقيقتين، أو الثلاث دقائق، التي تحددها آداب الرقص. أو لربما الزمن تباطأ في سيره، كما خيل له.

ـ هل تعرف شيئا عن تلك الفتاة ، هناك؟ التي كنت أرقص معها الآن ؟
 توجه بهذا السؤال إلى شاه الذي برز فجأة في المكان السابق مباشرة بعد الرقصة.
ـ نعم، أعرف. متعجرفة، تحب الأبهة، علما بأن أسرتها تعيش عيشة متواضعة. باختصار: حمقاء. هل أعجبت بها؟
ـ ماما أعجبت بها...
 ابتسم مارات ساخرا ، وأضاف :
– وهي تتقن الرقص. ولكن وجهها ..
رد شاه ، وهو يعبث بزجاجة ماء:
ـ نعم .. من وجهها يتضح أنها بلا دماغ. سابقا كنت أجن من أمثالها.. الآن، أشعر بالملل منهن.  

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي