بالميرا الشمال تبكي شقيقتها السورية

لعب العلماء الروس دورا كبيرا في دراسة تراث سورية الثقافي- التاريخي. المستشرق الروسي يفيم ريزفان كتب مقالا حول تدمر لــ"روسيا ما وراء العناوين".
Palmyra Syria
سوريا. تدمر.سبتمبر/أيلول 2009. المصدر:Reuters

ولدتُ، وعشت وما زلت، في سان بطرسبورغ، المدينة التي تحمل اسما شاعريا على قدر عظيم من الخصوصية. بدءا من النصف الثاني للقرن الثامن عشر، في عهد يكاترينا العظيمة، غالبا ما كانت هذه المدينة تسمى "بالميرا الشمال".. قصة الملكة التدمرية زنوبيا سِبتيميا، الجبارة، الحازمة، المستنيرة، استولدت في الأذهان تماثلا مع حكم يكاتيرينا الباهر. وتدمر القديمة، نفسها، المزهوة بثرائها وآثارها المعمارية، صارت، بذلك "الأخت" العريقة لعاصمة الإمبراطورية الروسية.

لعب العلماء الروس دورا كبيرا في دراسة تراث سورية الثقافي- التاريخي. وأحد التوصيفات الأولى لتدمر، يعود للكاتبة والرحالة، الأميرة ليديا الكسندروفنا باشكوفا. في العام 1882 عثر الرحالة والمستشرق الروسي، الأمير سيميون أبامبيك-لازاريف، في حفريات تدمر، على لوحة من المرمر تحمل نصا باللغتين الإغريقية والآرامية، يتضمن تعرفة جمركية من العام 137 قبل الميلاد.

وفيما بعد لعبت هذه اللوحة (محفوظة الآن في متحف ارميتاج) دورا هائلا في دراسة اللغة الآرامية. وفي العام 1984، وبخلاصة التنقيبات، أصدر آبامبيك-لازاريف كتابا فاخر الإخراج، بعنوان "بالميرا". وبعد مئة عام نشر زميلي الأقدم، العالم البطرسبورغي إ. ش. شيفمان، بحثا عن هذا الأثر وترجمة له. كما أن مؤرخ الفنون، وعالم الآثار الروسي المعروف، بوريس فارماكوفسكي، أسهم إسهاما وازنا في دراسة تدمر.

في العام 2001 تسنى لي أن أشارك في باريس، بتنظيم معرض ضخم وجميل جدا، تحت عنوان :  “Moi, Zénobie reine de Palmyre” (أنا، زنوبيا مكلة تدمر).

 

كتاب تاريخ للطالب في الصف الخامس في المدراس الروسية.

وأثناء حفل افتتاح المعرض استغرقت في حديث مع سوري مسن أدهشني بسعة اطلاعه. والآن، بتُّ على علم أن ذاك الرجل كان الدكتور خالد الأسعد، المدير العام للآثار والمتاحف في تدمر. في آب/ أغسطس  2015 ذبح "الجهاديون" عالم الآثار البارز البالع من العمر 81 عاما.

وهؤلاء "الجهاديون" نسفوا في تدمر قوس النصر، ومعبد بل المهيب (32 ميلادية)، ومعبد بعل شامين (131 ميلادية) الذي يجمع بين عناصر المعمارين الإغريقي- الروماني، والشرق أوسطي. ونسفوا أيضا، ثلاثة مدافن برجية في وادي القبور (بنيت في 44 – 130 ميلادية). ولقد سوى المسلحون مع وجه الأرض دير القديس جوليان، وهو أقدم دير كاثوليكي، ويقع على الطريق بين تدمر والقريتين. وتم إعدام الرهبان الذين كانوا فيه. ودمر "الجهاديون" كذلك، مدينة دورا أوروبوس التي بنيت في العام 300 قبل الميلاد وبقيت حتى القرن الثالث الميلادي.

دُمرت ونُهبت في سياق المعارك أفاميا السورية التي ظهرت مطلع القرن الثالث قبل الميلاد. وتعرضت للدمار، عمليا قلعة حلب، ومدرج بصرى الكبير. وأُلحقت أضرار بالغة بقلعة الحصن الصليبية التي تذهل الخيال.

إن "الجهاديين" بتفجيرهم الآثار، إنما يدمرون شواخص تاريخ الأديان، الكامن في صلب الإيمان القرآني بالآخرة. ومن الجدير بالذكر أن ثمة العديد من البراهين على أن الحديث، في واقع الأمر، يدور عن بزنس بالملايين، ذي علاقة ببيع الآثار إلى الغرب. وتفجير الشواهد التاريخية القديمة ما هو إلا ستار دخاني فظيع لهذا النوع من البزنس.

تحتوي مجموعة سان بطرسبورغ الأكاديمية على مخطوطة قديمة تعود لأسامة بن منقذ (1095-1188)، الكاتب العربي، والصياد، والفارس العظيم. ولد أسامة في أسرة أمراء شيزر، أصحاب الأمارة السورية الصغيرة، ولكن بعد وفاة والده بسبب نزاع عائلي، اضطر لهجر داره إلى الأبد. وأثناء تنقله وترحاله، لم يتوان هذا الأمير الأديب عن محاربة الصليبيين. وفي الوقت نفسه لم يجد ما يحول دون مصادقتهم مشاركتهم الولائم.

في آب/ أغسطس 1157 دمرت هزة أرضية قوية شمال سورية، فمات تحت أنقاض بيت العشيرة جميع أقرباء أسامة. وإذ علم بما حدث رحل إلى مسقط رأسه، ولم يقدر له أن يغادره بعد ذلك أبدا. عندما وقف على  أطلال القلعة وهو في غاية التأثر، قرر أسامة أن يجمع في كتاب واحد الأشعار العربية الهامة التي تصف الديار المهجورة.

إن مخطوطة هذا المؤلَف التي نُسخت في زمن صاحبه، محفوظة اليوم في سان بطرسبورغ. وتتضمن ما كتبه أسامة، دون أن يدري أن كل سوري اليوم قد يردد بعض كلماته في وصف حال وطنه اليوم. يقول أسامة بن منقذ "..فإني دعاني إلى جمع هذا الكتاب، ما نال بلادي وأوطاني من الخراب؛ فإن الزمان جر عليها ذيله، وصرف إلى تعفيتها حوله حيله، فأصبحت "كأن لم تعن بالأمس" موحشة العرصات بعد الأنس، قد دثر عمرانها، وهلك سكانها، فعادت مغانيها رسوماً، والمسرات بها حسرات وهموماً، ولقد وقفت عليها بعدما أصابها من الزلازل ما أصابها، وهي "أول أرض مس جلدي ترابها"، فما عرفت داري، ولا دور والدي وإخوتي، ولا دور أعمامي وبني عمي وأسرتي، فبهت متحيراً مستعيداً بالله من عظيم بلائه، وانتزاع ما خوله من نعمائه ثم انصرفت فلا أبثك حيبتي ... رعش القيام أمس ميس الأصوروقد عظمت الرزية حتى غاضت بوادر الدموع، وتتابعت الزفرات حتى أقامت حنايا الضلوع، وما اقتصرت حوادث الزمان على خراب الديار دون هلاك السكان، بل كان هلاكهم أجمع، كارتداد الطرف أو أسرع، ثم استمرت النكبات تترى، من ذلك الحين وهلم جرا، فاسترحت إلى جمع هذا الكتاب، وجعلته بكاء للديار والأحباب، وذلك لا يفيد ولا يجدي، ولكنه مبلغ جهدي، وإلى الله عز وجل أشكو ما لقيت من زماني وانفرادي من أهلي وإخواني، واغترابي عن بلادي وأوطاني.."

على مدى العديد من السنين سعيت جاهدا أن أسافر إلى شيزر لأرى أطلال تلك القلعة، وأصور فيلما عن مخطوطة سان بطرسبورغ، ومصير مؤلفها، الفارس المسلم، الشجاع، النبيل. ولكنني لم أوفق، فقد فات الآوان. اليوم، ونحن ننعم النظر إلى خريطة سورية، لا نرى الأوابد العظيمة، التي طالما كانت مجدا وفخارا لهذه الأرض، بل نرى ساحات المعارك والقصف، وأراضي تسيطر عليها قوات الحكومة تارة، و"مجاهدون" من شتى الأصناف، تارة أخرى. كم أود أن أرى مَن الذي يسيطر الآن على شيزر، وغير أنى أخشى أن أفعل ذلك. فما عساي أن أقول أكثر؟

 يفيم ريزفان: مستعرب روسي، متخصص بالدراسات الإسلامية، رئيس تحريرمجلة Manuscripta Orientalia الدولية 

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي