فيودور دوستويفسكي: مضطرب في الحب والحياة

عاش فيودور دوستويفسكي حياة تعكس رواياته: معقدة، ومتوترة ومليئة بالاضطرابات النفسية. وكما كان مرتبطاً بالنساء اللواتي رافقنه بهذه الرحلة الصعبة كذلك كان ارتباطه بالروايات التي أُجبر على كتابتها. موقع "روسيا ما وراء العناوين" يستكشف علاقات الكاتب العظيمة بمحبوباته الثلاثة.
dostoevsky_top
المصدر:Ullsteinbild / Vostock-photo

معاناة مشتركة

كان دوستويفسكي الكاتب الروسي الوحيد في القرن الـ19 الذي حُكم عليه بالأعمال الشاقة، حيث أمضى 4 سنوات في معسكر سيبيري. ومن حظه- أو سوء حظه- التقى بعد إطلاق سراحه الكاتبة ماريا ايسايفا. وكانت علاقتهما معقدة منذ بدايتها: عند لقائهما، كانت إيسايفا متزوجة ولديها ولد، واضطر دوستويفسكي إلى الانتظار حتى موت زوجها ليتمكن من طلب يدها.

RIA Novosti

لكن هذا الحب الأول المتأخر لم يكن بسيطاً كما كان يأمل دوستويفسكي. فقد بدأت إيسايفا السخرية من الكاتب في رسائلها مصرحة عن رغبتها بالزواج من أحد المسؤولين الأثرياء. وعلى الرغم من أن هذا الثنائي تزوجا في نهاية المطاف، لكن متاعبهما استمرت، ولم يستقرا في زواج منسجم، فقد لعب دوستويفسكي دور الصديق أو الأخ بالنسبة لإيسايفا أكثر من الزوج. وقد كتب الباحث الروسي المهم مارك سلونيم في كتابه "قصص الحب الثلاث لدوستويفسكي" قائلاً:" لقد أحبها من أجل كل المشاعر التي أثارتها فيه. من أجل كل شيء قدمه لها، من أجل كل شيء كان مرتبطاً بها. ومن أجل كل الألم الذي سببته له".

لقد كان هذا الثنائي مرتبطاً بالمعاناة المشتركة أكثر ما كانا مرتبطين بالشغف. وقد استند دوستويفسكي في شخصية ناتاشا برواية "مذلون مهانون" (1861) إلى شخصية زوجته الأولى، حيث كانت ناتاشا تتوق إلى تعذيب عشاقها.

غاوية وقاسية وخائنة

wikipedia.org

التقى دوستويفسكي الشابة أبوليناريا سوسلوفا في إحدى قراءاته العامة، وكان حينها في 42 عاماً من عمره ويزيدها بعقدين من الزمن. كانت جذابة ومغرية وشاركته الذوق الأدبي والشغف الجسدي. ورغم ذلك، لم يستطع أن يقدم لها كل ما تريده؛ وبما أن دوستويفسكي كان حينها لا يزال متزوجاً، حافظ على علاقة مع سوسلوفا بشكل سري، لكنها اتخذت رجالا آخرين عشاقا لها وتركته. عادت بعد عامين، لكنها لم تكن المرأة ذاتها عديمة الخبرة، ورفضت الزواج من الكاتب الكبير.

قد تكون أبوليناريا سوسلوفا هي المرأة التي سببت الأذى الأكبر لدوستويفسكي. ووفقاً لسلونيم:" كان يجفل عندما يذكر اسمها، لقد كان على علاقة معها عندما كان متزوجاً؛ لقد جسدها مرات عديدة في رواياته. حتى مماته بقي متذكراً لمداعباتها وصفعاتها له على وجهه. لقد بقي مخلصاً لهذا الحب المغري والقاسي والمأساوي"

يمكن الإحساس بتأثير سوسلوفا في دوستويفسكي في جميع رواياته. نستطيع أن نتلمس صفاتها من خلال الضحية دونيا ("الجريمة والعقاب"- 1866)، واليائسة والعاطفية ناستاسيا فليبوفنا ("الأبله"- 1869)، والمغرورة والعصبية ليزا ("الشياطين"- 1872). وأكثر من ذلك، كانت شخصية بولينا بطلة رواية "المقامر" مستمدة من دون أي شك من شخصية سوسلوفا.

الخلاص في النهاية

RIA Novosti

عملت آنا سنيتكينا، التي كانت تصغر دوستويفسكي بـ25 عاماً، ناسخة عنده خلال عمله على رواية "المقامر". واستغرقت عملية إكمال الرواية وقتاً طويلاً مما جعل كل منهما لا يتخيل حياته من دون الآخر، وتزوجا عام 1867. وفي رواية "المقامر" تتقاطع قصص الحب الثلاث التي عاشها دوستويفسكي: فقد استلهم من أبوليناريا سوسلوفا شخصية بطلة الرواية، التي كتبها في ذكرى زوجته الأولى ماريا إيسايفا المتوفية، ونسختها زوجته المستقبلية آنا سنيتكينا.

في البداية لم ير دوستويفسكي سوى الجانب العملي في زواجه من سنيتكينا: لقد كان بحاجة إلى الاستقرار والثقة بمستقبله. وبالنتيجة، بدأ هذا الارتباط بالانقلاب رأساً على عقب كما في علاقاته السابقة. لكن تمديد الزوجين لـ"شهر العسل" في الخارج والذي استمر أربع سنوات، سمح لهما بالفرار من الجو الروسي القاتم ومحاولة بناء أسرة. بدأ الأمر بشكل جيد: فقد وُلدت الطفلة سونيا بعد عام من زواجهما. لكن المأساة وقعت عندما تُوفت سونيا. لكن الزوجان أنجبا ثلاثة أطفال، توفى أحدهم أيضا.

بقيا متزوجين لمدة 14 عاماً حتى وفاة دوستويفسكي. وقد اختبرت سنيتكينا خلال هذه السنوات قدراً كبيراً من المعاناة بسبب شخصية دوستويفسكي الصعبة ونمط حياته، وخاصة غيرته وإدمانه القمار. لكنها بقيت صبورة ومخلصة له، حتى بعد مماته لم تتزوج مرة أخرى على الرغم من أن عمرها كان 35 عاماً فقط.

لم تحاول آنا أن تغير دوستويفسكي، بل تقبلت كل عيوبه، مما جعل هذا الزواج الأسعد والأكثر انسجاماً في حياة الكاتب المضطربة.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي