افتتاح مركز بوريس يلتسين الرئاسي في يكاتيرينبورغ

في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، افتتح رسمياً متحف الرئيس الأول لروسيا، والذي يمكن عدّه كذلك متحفاً لتاريخ روسيا المعاصر. يعيد هذا الفراغ المعماري الفضائي تجسيد تاريخ روسيا في بداية التسعينيات. افتتح المتحف الرئيس فلاديمير بوتين برفقة ناينا يلتسينا، زوجة الرئيس الراحل بوريس يلتسين.
Yeltsin Museum opened in Ekaterinburg
تم اففتاح متحف بوريس يلتسين في مدينة يكاتيرينبورغ الروسية. المصدر:تاتيانا اندرييفا

تقول ناينا يلتسينا: "أي قائد للبلاد، بغض النظر عن عدد السنين التي قضاها في منصبه، يسجل بعمله حقبة من التاريخ باسمه. والزمن الذي قضاه يلتسين في سدة الحكم هو حقبة من تاريخ روسيا، بكل ما فيها من إنجازات وأخطاء. وعلينا أن نقوم بكل ما يلزم في المركز الرئاسي ليلتسين - بل ولكل رؤساء الدولة اللاحقين- لنقدم للناس الجواب على أي سؤال يتعلق بحقبته. وهذا يتطلب منا حتماً، أن نعرض الوقائع كما هي، بصدق مطلق وبدون أي تلميع. فقط الحقيقة الموثقة عن ذلك الزمن".

وقد نجح القائمون على المتحف فعلاً في عملية الأرشفة المدعمة بالوثائق. يعرض هذا المجمع الضخم الوقائع بتسلسلها الزمني وهو، على الأرجح، يطرح الأسئلة أكثر من أن يجيب عليها.  

أرشيف مفتوح

أُنشئ المركز استناداً إلى القانون الاتحادي حول الحفاظ على الإرث التاريخي لرؤساء روسيا الذي أقر عام 2008، ليصبح المتحف الأول من هذا النوع. المعرض من عمل مصمم المتاحف الشهير رالف أبيلباوم، الذي بنى المتحف اليهودي في موسكو قبل بضع سنوات. إن وجود اسم أبيلباوم في قائمة المنظمين يعني شيئاً واحداً، وهو أن التواصل التفاعلي والانغماس الكامل في أجواء تلك الحقبة مضمونان من دون أدنى شك.

ما أن يلج الزائر البهو الفسيح للمتحف، حتى يجد في استقباله يلتسين "البرونزي" جالساًعلى مقعد طويل كما لو أنه ينتظر زائريه. ونادراً ما يستطيع أحد الزوار مقاومة الإغراء بالجلوس إلى جواره. يوفر المتحف خدمة الدليل السياحي الصوتي الآلي (audio guide) وهي الآن باللغة الإنكليزية، ويجري العمل على ترجمتها إلى الإسبانية والفرنسية والألمانية، ليتمكن الزوار الأجانب من التعرف على التاريخ الروسي.

اصطدم عمال الأرشيف الذين قاموا بجمع المواد الأثرية للمتحف، بمشكلة جدية، فقد تبين أن عدداً كبيراً من الأفلام الوثائقية الهامة لم تُحْفَظ. بسبب أنه لم تترك نسخ خاصة للأرشيف من أشرطة الكاسيت التي كانت تستخدم آنذاك لمرات عديدة. وقد أُبقيت بعض واجهات العرض في المتحف فارغة، لكي يتمكن الناس من المشاركة بأشيائهم التي يحتفظون بها من تلك الحقبة ورواية القصص المتعلقة بها.

سبعة أيام

قسمت مساحة المتحف إلى سبعة فضاءات تجسد "سبعة أيام هامة في تاريخ البلاد". كل منها يعكس مرحلة من المراحل التي عاشتها روسيا في نهاية القرن العشرين:

ـ انتظار التغيير

ـ محاولة آب الانقلابية (محاولة الإطاحة برئيس الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف في آب/أغسطس 1991)

ـ التدابير غير الشعبية

ـ ولادة الدستور

ـ "صَوِّتْ وإلا ستخسر" (الشعار الشهير لحملة يلتسين الانتخابية الثانية)

ـ كتاب يلتسين "الماراثون الرئاسي"

ـ تنحي يلتسين وفراقه مع الكرملين.

تقول ليودميلا تيلين، نائب المدير التنفيذي لـ "مركزيلتسين": "رتبت الفضاءات على شكل دائري، كإشارة إلى عجلة الزمن التي تعدّ رمزاً للتاريخ. وقد كان هذا التصميم من اقتراح المخرج الروسي الشهير بافيل لونغين".

تصوير: تاتيانا أندرييفا

تبدأ الرحلة بعرض فيلم عن تاريخ روسيا، منذ "روس" القديمة حتى الوقت الحالي. كما يتطرق الفيلم إلى أصول الديمقراطية وتطورها. ثم تأتي الوثائق والصور ومقاطع الفيديو، التي تتحدث عن الموقف من التاريخ وتغير نظرة المجتمع إلى الأحداث التاريخية المختلفة .وهنا يمتزج التاريخ العام للبلد مع التاريخ الشخصي ليلتسين كفرد.

فقد عرضت في إحدى القاعات حافلة تروليبوس حقيقية، كان يلتسين يتنقل بواسطتها من بيته إلى مكان عمله عندما كان مسؤولاً في موسكو. ولم يكن يخطر في ذهن أحد آنذاك أنه سيصبح أول رئيس لروسيا. وعندما تدخل الحافلة ستطالعك شاشة تعرض فيلماً عن فترة عمل يلتسين في موسكو.

لحظات تاريخية مفعمة بالعواطف

أكثر القاعات إثارة للمشاعر ثلاث: قاعة الانقلاب وقاعة حرب الشيشان والقاعة المكرسة لآخر يوم قضاه يلتسين في السلطة.

القاعة الأولى عبارة عن شقة سوفييتية نموذجية من ذلك الزمان. فجأة يرن جرس الهاتف، ويتناهى إلى سمعك أصوات الحديث الذي يدور على طرفي السماعة، والذي يعكس ردة فعل الناس العاديين على ظهور الدبابات في شوارع موسكو، الناس الذين وقفوا في معظمهم إلى جانب السلطة الجديدة في تلك الأيام.

وما إن تفتح باب الغرفة حتى تجد نفسك أمام متاريس حقيقة من شوارع العاصمة في تلك الأيام، والتي كانت تصنع من البراميل والكتل الإسمنتية والشباك المعدنية وغيرها من الأشياء.أما الجدار فقد تحول إلى شاشة لعرض وقائع ذلك الحدث بتسلسله الزمني.

في القاعة المخصصة لحرب الشيشان جدار محدب مليء بثقوب من أثر الطلقات. وإذا نظرت من خلالها فسترى صوراً مريعة توثق الأحداث المأساوية التي شهدتها البلاد آنذاك.

تضم القاعة الأخيرة مكتب عمل يلتسين، الذي جلب بأكمله من الكرملين. من وراء هذا المكتب، توجه يلتسين بخطابه الشهير إلى الشعب الروسي في ليلة رأس السنة الجديدة. وبامكانك أن ترى حتى الأشكال الزخرفية التي يخلفها الصقيع على زجاج النوافذ ومنظر العاصمة خلف النافذة. معطفه المتدلي على الكرسي، وعلى الطاولة فنجان من الشاي والقلم الذي وقعت به المراسيم الرئاسية.

في النهاية تخفت الأضواء وتسمع عبارة يلتسين الشهيرة:"لقد تعبت. وإني سأغادركم". تتابع سماع الرئيس وهو يطلب الغفران من شعبه، ويتمنى للناس أن يكونوا سعداء.هذا الخطاب الذي انطبع بقوة في ذاكرة الروس، يعاد بثه وكأنك تسمعه للمرة الأولى.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي