العملية العسكرية في سوريا .. الفوائد والمخاطر

عززت موسكو مواقعها في العالم والمنطقة، إثر اتخاذها قرار المشاركة في الحرب السورية. ولكنها، في الوقت نفسه، أخذت على عاتقها مخاطر جدية ذات صلة بأمور مختلفة، من ضمنها احتمال تمديد وجودها العسكري في سورية زمنا طويلا.
syria_iorsh
المصدر:أليكسي يورش

وقرار موسكو يندرج، على العموم، في إطار استراتيجيا أوسع للدولة الروسية على المحور السوري، هدفها تسوية النزاع في سوريا وفق رؤية الكرملين. وبالرغم من أن موسكو تعترف بضرورة إجراء تغييرات على النظام السياسي لهذا البلد، فهي تصر على أن التحولات، أيا كانت، يجب أن تجري في صيغة انتقال تدرجي لمؤسسات الدولة الحالية، وليس عبر تفكيك هذه المؤسسات على جناح السرعة، بأسلوب القوة أو أي أسلوب آخر.  

إن بشار الأسد، بالنسبة للقيادة الروسية، ضمانة لبقاء سوريا كبلد، وللنجاح في الصراع ضد "داعش"، فروسيا، كسابق عهدها، لا تزال تعتبره شريكا في العملية الانتقالية والمفاوضات بين النظام ومن تصفهم السلطة السورية بعناصر المعارضة "السليمة". وعلى هذه الخلفية، ترى موسكو استحالة أي حديث عن تنحي الأسد كشرط مسبق للبدء بالمفاوضات.   

إن هذه المقاربة، ولجملة من الأسباب، لا تناسب الغرب وبعض بلدان الشرق الأوسط. ومع ذلك، من الواضح أن موسكو عازمة على تغيير رؤية هذه الأطراف لمصلحة الموقف الروسي. وهي تحاول تحقيق ذلك بالعمل على اتجاهين اثنين. فمن ناحية، كثفت منذ ربيع هذا العام، الحوار مع المجتمع الدولي عبر القنوات الدبلوماسية، في محاولة لتغيير موقفه من سوريا. ومن ناحية ثانية، أخذت منذ آب/ أغسطس تصعِّد دعمها العسكري لنظام الأسد، لتضمن بقاءه حتى لحظة بدء المفاوضات، وكي تزيد من إمكانات روسيا في التأثير على الوضع، سواء في سوريا أم خارجها. وبهذا المعنى، فإن قرارها توجيه ضربات جوية وتوسيع حضورها العسكري في سوريا (ولو بشكل محدود)، منحها ورقة هامة. 

أولا،  الحضور العسكري الروسي الفعلي في سوريا يزيد بقدر هام من حظوظ النظام في البقاء.

ويقلل، ثانيا، إلى الحد الأدنى احتمالات تدخل بلدان أخرى عسكريا ضد نظام الأسد. لقد كان لدى روسيا تخوف من أن التحالف الأمريكي أو القوات التركية قد تستخدم لتوجيه ضربة للجيش السوري بهدف إضعافه، وإسقاط الأسد. هذا السيناريو الآن ضعيف الاحتمال. ومع ذلك، فإن موسكو إذ تطرح فكرة إنشاء تحالف بديل ضد "داعش" يضم نظام الأسد، انما تحاول ببطء، ولكن بصواب، إخراج الأخير من عزلته، وشرعنته مجددا كلاعب على حلبة هذا النزاع.

ثالثا، تتعزز مواقع موسكو نفسها على الصعيد الدبلوماسي. فسيكون من الصعب، من الآن فصاعدا، اتخاذ أي قرار على قدر من الأهمية بشأن سوريا، ما لم يكن بمشاركتها. وخلال الفترة التي تلت بدء عمليات القصف، تكثفت الصلات بين موسكو والغرب. والأكثر من ذلك، وبحسب كل المؤشرات، فإن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان مرتاحا لنتائج مباحثاته مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.

ومع ذلك، فإن للقرار الروسي عيوبه أيضا، أولها أن ما قامت به موسكو من تصرف حاد في سوريا بعد كلمة بوتين في الأمم المتحدة مباشرة، كان بمثابة صفعة للغرب، ولعدد من بلدان الشرق الأوسط، ما سيزيد من صعوبة القيام بأية محاولات للاتفاق.

وستكون لروسيا صعوبات أيضا في إقامة علاقات مع الجزء "السليم" من المعارضة السورية. فموسكو عززت بشكل نهائي صورتها في ذهن المعارضين كطرف في النزاع، يقاتل إلى جانب دمشق. وأية محاولات، الآن، من طرف روسيا للاضطلاع بدور الوسيط بين النظام السوري وخصومه، ستصطدم بمشكلات كبيرة جدا، قياسا بما كان عليه الحال عند التحضير لموسكو 1 ، وموسكو 2.

وأخيرا، ثمة سؤال عملي: هل هناك ما يكفي من المال؟ وحتى لو افترضنا أن موسكو ستقتصر على إرسال طائراتها، فهذا بحد ذاته سيكون إجراء مكلفا، لا سيما وأن الحرب قد تطول سنوات، وليس شهورا.  

    نيقولاي كوجانوف – مستشار برنامج "السياسة الخارجية والأمن"، لمركز كارينغي في موسكو

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي