لهفة انتظار العيد

تحتفل روسيا في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر بيوم الوحدة الشعبية. وهذا عيد روسي جديد، نسبيا، دخل حياتنا في العام 2005. ظهر هذا العيد إلى الوجود لجملة أسباب مفهومة. أولا، في بلاد، حيث تسمع أكثر من 160 لغة، وتعيش عشرات الشعوب، التي تعتنق جميع الديانات العالمية، فإن فكرة الوحدة تغدو الفكرة الضرورية الوحيدة للتعايش السلمي، ولتطور الدولة. وثانيا، فإن خلق أمة جديدة، روسيانية – لا سوفيتية- تطلب رموزا جديدة أيضا. وكان يجب إيجاد حدث ما، يقع على مقربة مباشرة من تاريخ السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر، كي نخلق منه عيدا قادرا على مضاهاة تقاليد الأعياد السوفيتية.
shvydkoi
رسم دميتري ديفين

تحتفل روسيا في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر بيوم الوحدة الشعبية. وهذا عيد روسي جديد، نسبيا، دخل حياتنا في العام 2005. ظهر هذا العيد إلى الوجود لجملة أسباب مفهومة. أولا، في بلاد، حيث تسمع أكثر من 160 لغة، وتعيش عشرات الشعوب، التي تعتنق جميع الديانات العالمية، فإن فكرة الوحدة تغدو الفكرة الضرورية الوحيدة للتعايش السلمي، ولتطور الدولة. وثانيا، فإن خلق أمة جديدة، روسيانية – لا سوفيتية- تطلب رموزا جديدة أيضا. وكان يجب إيجاد حدث ما، يقع على مقربة مباشرة من تاريخ السابع من  تشرين الثاني/ نوفمبر، كي نخلق منه عيدا قادرا على مضاهاة تقاليد الأعياد السوفيتية.

يوم الوحدة الشعبية يعود بجذوره التاريخية إلى مطلع القرن السابع عشر، حين انتهت سنوات الفتنة الكبرى بطرد القوات البولونية من روسيا وانتخاب ميخائيل رومانوف قيصرا جديدا. وبذلك صار ذاك اليوم عيدا هاما على صعيد الدولة أيضا. ولكنني أعتقد أنه خال من شحنة العدوى العاطفية الضرورية، خاصة وأن العقلانية لا تكون دائما في صالح  أية احتفالات رسمية مهيبة، لا على التعيين.

 وإنني لعلى ثقة بأن لا وجود في روسيا الحديثة لعيد يمكن مقارنته من حيث القوة الجامعة، بعيد التاسع من أيار/ مايو، عيد النصر في الحرب الوطنية العظمى. تلك الحرب التي لا يزال حتى الآن يتردد صداها في قلوب جميع مواطني روسيا، وفي مصائرهم، وعلاقاتهم الإنسانية. إن ذكرى الحرب، والاعتزاز بالنصر، والفخر بالأمهات والأباء والجدات والأجداد، توحد بلا شك التاريخين السوفيتي والروسي الجديد، مهما تباينت المواقف من الماضي السوفيتي عند مواطني روسيا الحديثة.

ومع ذلك، فإن مواطني روسيا الآن أكثر حرية في أفكارهم ومعتقداتهم، مما كان عليه مواطنو الاتحاد السوفيتي. لقد حصلنا دستوريا على كل حقوق الإنسان التي لم يكن بوسعنا في العهد السوفيتي أن نحلم بها مجرد حلم، كحرية التنقل، وحرية الكلمة، وحق الملكية. روسيا المعاصرة بلد رأسمالي، ولكن بالرغم من كل شيء، تحاول الدولة المحافظة على مسؤوليتها الاجتماعية أمام المواطنين، وهذا أمر ليس بالبسيط أبدا في الوضع الاقتصادي الراهن. ولقد تغير دور الدين في حياة المجتمع. وحرية الضمير، المثبتة في الدستور الروسي، أدت إلى تطور جميع الطوائف التقليدية بالنسبة لمجتمعنا، أي الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية. ولكن جراء تعدد طوائف المواطنين تحديدا، لا يمكن لأي من الديانات المذكورة أن تكون ديانة الدولة. فضلا عن أن روسيا دولة علمانية.

لقد خلف الاتحاد السوفيتي لروسيا المعاصرة مواطنين على درجة جيدة من التعليم والثقافة. والمتعلمون، كقاعدة عامة، يتمتعون بنظرة مركبة إلى الواقع المعاصر. التصور عن الروس كأناس يصعب التفاهم معهم بسبب راديكالية نظراتهم، تصور خاطئ تماما كما أرى. والتعنت ليس، بالمرة، ميزة أبناء وطني. نحن نتقن إيجاد الحلول الوسط في المواقف الصعبة والدراماتيكية. ولكننا لا نحب أن يسقطنا أحد من الحساب. وكما قال أحد كتابنا الرائعين "في العراك قد لا نساعد، ولكننا في الحرب ننتصر". المحن القومية، عموما، توحد أبناء روسيا، وترص صفوفهم وتجعلهم أمة واحدة. والعقوبات التي تطبقها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي اليوم ضد روسيا، لم يكن من شأنها إلا أن تلاحم، وحسب، الجزء الأكبر من شعبنا، وتضاعف شعبية فلاديمير بوتين. قيادة روسيا، في الظروف الراهنة أيضا، لا ترغب قطعا بالانعزال عن العالم. وسياستنا تقضي بضرورة الحوار الدائم مع الشركاء، مهما كانت القضايا موضع البحث حساسةً ومؤلمةً.

غالبا ما يجري اليوم، وعلى نحو خاطئ كما أعتقد، النظر إلى الوطنية كأيديولوجيا قومية. أنا أعتقد أن هذا الفهم غير سليم. الوطنية شعور إنساني طبيعي، كحب الوالدين. وهي في العموم ليست مرتبطة بقناعات الإنسان السياسية. ومما لاشك فيه، أن تجلياتها، تتوقف على التربية. ومن المهم في هذا السياق أن يميز المجتمع، والناس كل على حدة أيضا، بين الوطنية والتعصب القومي.

لا يجوز أن ننسى أن الوطنية في طبع جميع الشعوب. والروس مثلهم مثل التتار والبشكير أو الشيشان. ومن الطبيعي أن للشعب الروسي لغته، وتراثه غير المادي، كالعادات والتقاليد وقواعد السلوك، والثقافة الفنية. وما كل شيء يتطابق، حتى عند الشعوب التي تنتمي لمجموعة لغوية واحدة، أو ديانة مشتركة. ولهذا بالذات، ينبغي ان نكون في غاية الحذر في مثل هذا المجال الحساس كالعلاقات القومية. روسيا بلد تقترن فيه التعددية الثقافية بقواعد سلوك مدنية عامة ما. لا أريد أن أخفي، أن من الصعب جدا في بعض الأحيان، المحافظة على التوازن بين مصالح مختلف الشعوب التي تعيش جنبا إلى جنب.

روسيا بلد التحولات، الذي يتمتع بالرغم من ذلك، بمستوى عال من الخمول. وهذا مرتبط بارجائه الرحبة الفسيحة، وتاريخه التراجيدي، الذي أثر على تكوين البشر الذين يعيشون فيه. وعن هذه النزعة المحافظة للحياة الروسية صور أندريه كونتشالوفسكي مؤخرا فيلمه "الليالي البيضاء لساعي البريد أليكسي تريابتسين". واليكسي بالابانوف الذي رحل عن هذا العالم في أيار/ مايو سنة 2013، قام في جميع أفلامه في هذا القرن، بالبحث في تقلبات طبع الإنسان الروسي، الذي امتحنت انعطافات التاريخ الروسي الحادة مقدرته على الصمود وعدم الإنكسار.

والسينمائيون الروس، من أساتذة الجيل القديم وحتى الشبيبة المبدعة، كانوا على الدوام، يتناولون موضوع "الإنسان والحرب"، الذي دخل إلى الأبد في صلب الحياة الروسية، والثقافة الروسية.

يبدو لبعض الناس أن الحياة كلها مجرد تلهف وتشوق للعيد. ولكن لا بد من إدراك أن الحياة ذاتها عيد عظيم لا يجوز تفويته أبدا. ليس ثمة نسخة مسودة من حياة الإنسان، فنحن دائما نعيش النسخة الأصلية، المُبيَّضة، المكتوبة على بياض أولا بأول.

 ميخائيل شيفدكوي- رجل دولة، وزير الثقافة في روسيا الاتحادية (2000- 2004)، رئيس الوكالة الفدرالية لشؤون الثقافة والسينما (2004 – 2008)، وحاليا المسؤول العلمي للمدرسة العليا للسياسة الثقافية والتوجيه في المجال الإنساني، التابعة لجامعة موسكو الرسمية

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي