آفاق التعاون الروسي- التركي بعد الانتخابات البرلمانية

الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تركيا(الثانية هذا العام)، لم تسهم في توضيح آفاق تطور هذا البلد ذاته، ولا تبعث على الأمل بتطوير التعاون الروسي– التركي بصورة إيجابية. لقد ترك الوضع في الشرق الأوسط، والأزمة في أوكرانيا وحولها، آثارا سلبية على النمو الدينامي للعلاقات بين البلدين في السنوات القليلة الماضية. وفضلا عن ذلك، تتخذ روسيا وتركيا في الآونة الأخيرة مواقف متعارضة على الصعيد الإقليمي، وإزاء النزاعات الأكثر خطورة في العالم.
putin_erdogan
المصدر:رسم دميتري ديفين.

فيما يتعلق بالأحداث الأوكرانية، وقف القادة الأتراك، ومنذ البلداية، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتفاعلوا، على أعلى المستويات، مع الأحداث الأوكرانية بدرجة من الحدة تفوق ما اتسمت به مواقف العديد من حلفائهم في الناتو. وعندما أسقطت طائرة "البوينغ" الماليزية، على سبيل المثال، لم يتأخر أردوغان عن اطلاق اتهامات لا أساس لها ضد الجانب الروسي، ودون أن يقدم دليلا واقعيا واحدا يثبت صحتها.

واتخذ الأتراك موقفا معاديا لروسيا بشكل قطعي في موضوع القرم، الأمر الذي لا يثير قدرا كبيرا من الدهشة، إذ يعيش في تركيا العديد من شتات تتر القرم. وهم الذين رسموا، عمليا، السياسة التركية تجاه "أتراك القرم التترين"، كما يسمونهم في تركيا.

وكذلك الأمر، يتباين موقفا روسيا وتركيا تباينا تاما وكاملا، من النزاع الداخلي في سوريا. وفي هذا الصدد، نعيد إلى الأذهان أن علاقات الرئيس السوري، بشار الأسد، بأردوغان كانت في ما مضى على قدر كبير من الود والحرارة. وكان الزعيمان على وفاق تام في الآراء حول السياسة الإسرائيلية، والمشكلة الفلسطينية وسبل تسويتها. وعلى هذه الأرضية أقيمت بين الطرفين علاقات لم تقتصر على الجانب التجاري- الاقتصادي، بل تعدته إلى الجانب العسكري، فكانت سوريا، قبل القطيعة، تشغل مكان إسرائيل في المناورات العسكرية المشتركة مع تركيا.

وبعد بدء "الثورات العربية"، ومن ثم النزاع السوري الداخلي، احتضنت تركيا جميع "مؤتمرات توحيد" المعارضة السورية المسلحة. وعبر الأراضي التركية كان ينتقل إلى سوريا المرتزقة، والجزء الأكبر من الأسلحة؛ بل أن المسلحين، وضمنا الإسلاميون، كانوا يتلقون العلاج على الأراضي التركية، ولو أن أنقرة الرسمية تنفي ذلك. وكشرط لمشاركتها في العمليات العسكرية ضد "داعش"، طالبت تركيا، أولا، باستبعاد رئيس سوريا بشار الأسد.

وتفترق روسيا وتركيا بشأن المسألة القبرصية أيضا، فروسيا تؤيد وضع قبرص كعضو في الأمم المتحدة، ولا تعترف بـ "جمهورية شمال قبرص التركية" التي أنشأها الأتراك، علما بأن الجيش التركي لا يزال حتى الآن يحتل شمال الجزيرة.

وروسيا، أيضا، لا تؤيد الموقف التركي في النزاع بين اليونان وتركيا حول الجرف القاري والمجال الجوي للجزر اليونانية في بحر إيجه.

وفي الشرق العربي، تباينت آراء روسيا وتركيا بالكامل؛ فإذا كانت تركيا قد أيدت، وتؤيد، "الثورات العربية"، وخاصة الأحزاب الإسلامية التي وصلت إلى السلطة، فقد أيدت روسيا السلطة العسكرية الجديدة في مصر، التي دانت تركيا تصرفاتها.

 وتجلت التباينات الحادة جدا بين أولويات السياسة الخارجية لكل من البلدين، في المسائل المتعلقة بالموقف من إبادة الأرمن زمن الإمبراطورية العثمانية، فقد عبر أردوغان علنا عن "خيبة أمله" من زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى يريفان في 24 نيسان/ أبريل 2015.

ومع ذلك، وبغض النظر عن التوتر الناشئ في العلاقات بين البلدين، كانت قمة باكو التي عقدت على هامش افتتاح الألعاب الأوروبية في حزيران/ يونيو 2015، مثمرة على صعيد العلاقات الروسية- التركية. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن بعض المسؤولين الأتراك، وخاصة رجب أردوغان ووزير الطاقة والموارد الطبيعية تانر يلدز، قوموا بالإيجاب نتائج لقاء باكو، وأشاروا إلى ضرورة التوقيع بأسرع ما يمكن على وثائق المشاريع التي تنفذها تركيا بالاشتراك مع روسيا، وفي مقدمتها ما يندرج في مجال الطاقة. وبعد فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، نالت الحكومة التركية الجديدة الثقة الضرورية التي تتيح لها إعداد الاتفاقات اللازمة في المجالات المذكورة.

وكانت السلطات التركية قد أجازت تنفيذ أعمال التصميم الخاصة بمشروع "السيل التركي" على جرفها القاري. وإلى ذلك، تتواصل التحضيرات لبناء محطة أكويو الكهروذرية. كما أن تركيا أبدت اهتمامها بتصدير اللحوم إلى روسيا، ولا تزال ترفض الانضمام إلى العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على روسيا.

ومن الجانب الروسي تم رفع الحظر المفروض عن استيراد الدجاج التركي، وتقرر توسيع تشكيلة أصناف سلع التبادل التجاري بين البلدين. أما موضوع السياح الروس فأكثر تعقيدا. وعلى سبيل المثال، زار أنطاليا خلال ثمانية أشهر من العام الجاري مليونان ومئة وسبعون ألف سائح روسي، بينما بلغ عددهم في الفترة نفسها من العام الماضي ثلاثة ملايين ونصف المليون. ومن أسباب هذا التراجع انخفاص سعر الروبل أمام الدولار، وتردي الوضع الاقتصادي. غير أن فاجعة الطائرة الروسية فوق سيناء أدت إلى ازدياد تدفق السياح الروس على تركيا.

وعلى أية حال، نرى أن العلاقات الروسية – التركية في السنوات الأخيرة تتطور وفق ترسيمة أثبتت جدارتها، حيث يبدو أن مسائل السياسة – الدولية، والخلافات بين البلدين قد وُضعت بين قوسين، إذا جاز التعبير؛ في حين يركز الطرفان جهودهما على الجانب التجاري- الاقتصادي في العلاقات الثنائية. في هذا السياق يبدو جليا ارتباط تركيا بتوريدات حوامل الطاقة الروسية، بينما لا يقل جلاء ارتباط روسيا بتركيا كشريك مجرب يعول عليه.

فيكتور نادين – رايفسكي، دكتور في الفلسفة، مدير معهد البحوث الاجتماعية – السياسة لمنطقة حوضي قزوين والبحر الأسود

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي