التوتر الروسي – التركي: هل يوجد مخرج؟

لم يأخذ منطق " الاتفاق على عدم الاتفاق" بين روسيا وتركيا بالتراجع في عام 2015 فقط، وإنما ينبغي النظر إلى ما قبل ذلك.
su-24_divin_468
المصدر:دميتري ديفين.

يبدو أن حادثة الطائرة الروسية التي أسقطتها القوات الجوية التركية سوف تصبح امتحاناً صعباً للعلاقات ما بين موسكو وأنقرة، علماً بأنه حتى الآونة الأخيرة كان رجال السياسة والخبراء ينظرون إلى هذه العلاقات بكونها مثالاً  للعلاقات بين خصمي الأمس التاريخيين.

في الوقت نفسه، سيكون من غير الصواب النظر إلى المشاكل الحالية وكأنها شيء ما ظهر فجأة ومن دون معرفة الأسباب، فها هو الخبير التركي المعروف بولينت أراز يصف العلاقات الروسية ـ التركية بأنها " شراكة تنافسية"، وفي حقيقة الأمر فإن هناك قضايا سياسية كثيرة لا تتطابق فيها مواقف موسكو وأنقرة، وهذا يطال نزاع ناغورني ـ كارباخ، والوضع في جورجيا التي لم يشكك السياسيون الأتراك باستقلال أراضيها. وعلى الرغم من أن أنقرة لمتسع إلى الضغط في موضوع القرم، فإن علاقاتها بخصوص تغيير وضع شبه الجزيرة لصالح روسيا يمكن وصفها بالحذر المشوب بالشك.

غير أنه جرى تحييد التباين لفترة طويلة عن طريق تطوير العلاقات الاقتصادية الثنائية متبادلة النفع، وكان يبدو أن البراغماتية سوف تزيح الخلافات في القضايا السياسية إلى الدرجة الثانية، وبخاصة أن علاقات السياسي البارز في العقد الأخير رجب طيب أردوغان مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ليست في أفضل حالاتها، فلم تكن أنقرة مرتاحة بشأن علاقات واشنطن مع الحركات الكردية في الشرق الأوسط، كما أن تحرك تركيا باتجاه التكامل الأوروبي لم يُقابَل بحماس كبير من جانب بروكسل.

وبالإضافة إلى ذلك، لم يتمكن الطرفان من تحقيق اختراق في الاتجاه القبرصي، كما أن " الورقة الكردية" في تركيا أثارت نقاشات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن ملائمة انضمام أنقرة إلى صفوفه. كما أن تركيا كانت العضو الوحيد في حلف الناتو الذي حصل على وضع شريك في الحوار في منظمة شنغهاي للتعاون، وبعبارة أخرى، فإن روسيا وتركيا اتفقتا على عدم الاتفاق في عدد من المسائل، ولكنهما لم تتجاوزا " الخطوط الحمراء"، ولم تشككا بضرورة تطوير التعاون الاقتصادي، وتجلى ذلك في التحضير لتنفيذ مشروع الطاقة  "السيل التركي" الرامي إلى تقليص اعتماد روسيا على المستهلك الأوروبي للغاز الروسي.

على أية حال، فإن منطق " الاتفاق على عدم الاتفاق" لم يأخذ بالتراجع في عام 2015 فقط، إذ ينبغي البحث عن مصادره في أحداث عام 2011، عندما وصل إلى البلدان العربية ما يسمى بـ "الربيع العربي". فإذا كانت موسكو قد نظرت إلى هذه الأحداث باعتبارها تحدياً خطيراً مرتبطاً بانهيار الدولة العلمانية، وتعزيز الأصولية الإسلامية وبالمخاوف من تصديرها إلى بلدان الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا نفسها، فإنه يُعدّ بالنسبة لتركيا بمثابة فرصة للعودة إلى المنطقة التي لم تكن من بين أولويات أنقرة على مدى سنوات عديدة. ومن هنا جاء الدعم التركي لمحمد مرسي قائد " الإخوان المسلمين"، والتحول المفاجئ نحو انتقاد إسرائيل ومحبة فلسطين السياسية، ومحاربة نظام بشار الأسد، هكذا راهنت أنقرة عملياً على الشرق الأوسط كما لو أنه " حدودها القريبة".

وبالنتيجة، فقد ظهر لدى كلا العملاقين الأوربيين ـ الآسيويين " منظار" سياسي مختلف، ففي سوريا ترى موسكو في " الدولة الإسلامية" التهديد الرئيس، وانهيار الدولة المدنية، بينما تتخوف أنقرة من تعزيز مواقع الأكراد والعلويين وخسارة " زبائنها" المهتمين في تعزيز التأثير التركي في المنطقة.

لا شك أن حادثة الطائرة الروسية تهدد العلاقات ما بين العملاقين الأوروبيين ـ الآسيويين، فصورة وهيبة كل منهما على المحك، ناهيك عن مفهوم كلّ منهما لآفاق الخروج من الوضع الراهن. وبالطبع فإن هذه الحالة سوف تتغير وتتوضح، كما أن المشاعر سواء لدى أنقرة أو لدى موسكو بلغت حداً عالياً جداً. ولكن يوجد لدى الجانبين خبرة جيدة في الخروج من الحالات الصعبة وشبه المسدودة هذا أولاً، وثانياً، فإن كلا الجانبين لا يريد مساعدة طرف ثالث عن طريق إضعاف بعضهما بعضاً، وثالثاً، فإن تركيا نفسها تدرك تماماً أنه على الرغم من كرهها للأسد، فإن عدم الاستقرار في بلد مجاور يمكن أن يرتد على المجتمع التركي نفسه، ففي داخله أمزجة إسلامية متطرفة يبدى أصحابها استعدادهم لمواجهة أردوغان، بغض النظر عن علاقته مع روسيا، وحتى بتقويض هذه العلاقة فإنه بالنسبة لهؤلاء الناس لا يستطيع أن يضمن لنفسه الغفران والدعم، وبالتالي فإن هذا كله يُضعف الأمل في أن يجد الجانبان شيئاً من modus vivendi  ( التعايش) في الظروف الحالية المعقدة.

سيرغي ماركيدونوف، أستاذ مساعد في قسم الدراسات الإقليمية والسياسات الخارجية في الجامعة الوطنية الروسية للعلوم الإنسانية.

رأي الكاتب لا يعكس بالضرورة موقف موقع " روسيا ما وراء العناوين"
جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي