الرجل الذي أنقذ العالم من حرب عالمية ثالثة وضحّى بمستقبله المهني

قبل ثلاثين عاماً بالضبط، عندما أشارت نظم الإنذار المبكر أن الاتحاد السوفييتي كان تحت خطر هجوم نووي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، قرر ضابط الدفاع الجوي ستانيسلاف بيتروف، وفق غريزته، أن الإنذار كاذب. وهذا القرار أنقذ الجنس البشري – وأنهى حياة الرجل المهنية.
ضابط الدفاع الجوي ستانيسلاف بيتروف. تصوير: سيرغي بيوغوف\ RIA Novosti
ضابط الدفاع الجوي ستانيسلاف بيتروف. تصوير: سيرغي بيوغوف\ RIA Novosti

المكان: سيرباخوف-15، قيادة الصواريخ البالستية والإنذار المبكر ومركز التحكم في جنوبي موسكو

الوقت: بعد منصف الليل، السادس والعشرون من شهر أيلول/سبتمبر، العام 1983.

كان ضباط نخبة قوات الدفاع الجوية السوفيتية على وشك بدء مناوبتهم الليلية في أكثر المنشآت العسكرية سرية. وجلس قائدهم، المقدّم ستانيسلاف بيتروف في كرسيه واستعد لما اعتقده مناوبة روتينية أخرى، ولكن دوي صفارات الإنذار كسر صمت القبو.

نظر الضباط إلى الشاشات العملاقة ورأوا كيف تعود إلى الحياة وتبدأ بالوميض مشيرة إلى تعرض روسيا لهجوم نووي. وبدأ الزر الأحمر إلى جانب كرسي المقدّم يومض. إنه زر نهاية العالم وبدء إطلاق آلاف الصواريخ الروسية على الغرب.

وعلى الرغم من أن بيتروف كان في هذا المنصب منذ بدايات السبعينيات، لكنه أثبت أنه غير مستعد لمواجهة هذه الأزمة الجسيمة. فقد أخبرته أجهزة الإنذار بأن القمر الصناعي مولنايا أرسل إشارة إلى القبو. وبعد تحليل البيانات المرسلة من القمر الصناعي، خلصت أنظمة إنذار الكمبيوتر إلى أن صاروخاً بالستياً عابراً للقارات يحمل رؤوساً نووية متعددة انطلق من الولايات المتحدة الأمريكية. وحتى الموظفين كانوا في حالة صدمة، وأعلن النظام عن ثاني إطلاق صاروخي ومن ثم إطلاق آخر حتى وصل عددها إلى خمسة صواريخ تطير باتجاه المدن الروسية. وكانت هذه الصواريخ ستصبح فوق روسيا خلال ثلاثين دقيقة. وكان الكرملين بحاجة خمس عشرة دقيقة للبدء بالإطلاق، ويحتاج الجند في مواقعهم إلى عشر دقائق أخرى لتنفيذ الأمر. وفي حال تم التأخير، فإن فرصة الرد ستضيع إلى الأبد.

لا يوجد وقت للتفكير

كما قال بيتروف في مقابلة مع صوت روسيا:" لخمس عشرة ثانية، كنا في حالة صدمة. لقد كنا بحاجة أن نفهم، ماذا بعد؟"

كان هناك كثير من الصراخ. كانت الخرائط الالكترونية والأجهزة تومض. وافترض الضباط المرافقون له أنه إطلاق صاروخ أو صاروخين قد تكون أخطاء حاسوبية، لكن ليس وابلاً من خمسة صواريخ. إنها حقاً الضربة التي تنذر بنهاية العالم. كان عليه أن يضغط على الزر ويبدأ عملية الإطلاق.

العمل والجرأة والعالم

عندما يكون مصير العرق البشري بين يديك، فإن الذعر هو آخر شيء تريده. وسط كل هذا النشاز ونفاذ الوقت، قام بيتروف بشيء لا يُنتظر من رجل عسكري. فتمثل تجربة فاسيلي أرخيبوف، بطل أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، الذي رفض إطلاق طوربيدات نووية على السفن الأمريكية على الرغم من الاستنفار الكبير، لقد تحدّى ضابط الدفاع الجوي البروتوكول واختار عدم تصديق بيانات الهجوم.

قرار بيتروف لم يكن يعتمد كلياً على الحظ، فقد قال:" عندما يبدأ الناس الحرب، فإنهم لن يبدؤوها فقط بخمسة صواريخ. تستطيع تحقيق ضرر قليل بخمسة صواريخ فقط"

وأضاف:" ثانياً، الكمبيوتر، بحكم التعريف، ليس لديه ذهن. وتوجد أشياء كثيرة يمكن أن يعتبرها إطلاق صاروخ".

كم كان العالم قريباً من الحرب؟

كان بيتروف جزءاً من سلسلة أوامر تم تصميمها لاتخاذ قرار يمنع استخدام الصواريخ الإستراتيجية في موسكو بشكل عشوائي أو غير مقصود. وكانت مهمته الأساسية هي رصد إشارات القمر الصناعي. كان بإمكانه أن يرفع الأمر إلى قيادته، التي سترسل تقريراً إلى الهيئة العامة السوفييتية، الوحيدة القادرة على التشاور مع القيادة السياسية لاتخاذ قرار إطلاق الصواريخ المضادة.

كما أن الرادارات الروسية الأرضية العابرة للقارات لم تُسجّل أي إطلاق. ولا يُعرف ما الذي حدث داخل الكرملين في تلك الليلة، لكن من المرجح أن القيادة الروسية برئاسة يوري أندروبوف لم تكن لتطلق العنان للأسلحة النووية دون عدة تأكيدات، ومن ضمنها الخط الساخن إلى البيت الأبيض.

ولطالما كان لدى القيادة السوفييتية هاجس إمكانية حدوث ضربات مفاجئة نووية لروسيا من قبل الولايات المتحدة، لذلك أرسلت تعليمات إلى جواسيسها للبحث عن أدلة للتحضيرات. وأشارت المعلومات الاستخباراتية الروسية إلى أن ريغان، الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، وجماعته يخططون لشيء مشابه للهجوم الذي شنّه هتلر على روسيا في العام 1941.  

وفي الواقع، فإن الولايات المتحدة في عهد ريغان كانت منغمسة في سياسات خطيرة. فقد قامت بسلسلة من تدريبات حربية نفسية، مثل إرسال قوات بحرية، وقاذفات قنابل إلى مواقع أمامية قريبة من معاقل موسكو الإستراتيجية.

والأسوأ من ذلك، أنه قبل ثلاثة أسابيع فقط، كان هناك فتور كبير في العلاقات بعد أن قام الاتحاد السوفييتي بإسقاط طائرة تابعة للخطوط الجوية الكورية ضلت طريقها ودخلت مئات الكيلومترات في عمق روسيا. وقُتل فيها مائتا راكب من بينهم ضابط أمريكي، ووصفت واشنطن ذلك بأنه جريمة أخرى من جرائم "إمبراطورية الشر".

وكان بيتروف في العاصمة المثالية. وخلص إلى:" لو أننا مضينا قدما، لما كان هناك أمريكا اليوم".

الجريمة والعقاب

وقد تبين لاحقاً أن الإنذارات الكاذبة كانت نتيجة ميل نادر لأشعة الشمس على السحب الموجودة على ارتفاعات عالية وعلى القمر الصناعي في مدراه.

أنقذ بيتروف كوكب الأرض في ذلك اليوم، ولكنه كشف عيوب النظام الذي كلّف بناؤه الكثير. وفي ظل النظام السوفييتي البائس، مكافأة بيتروف كانت بمثابة صفعة على وجه نخبة القوات السوفييتية. لذلك تمت معاقبته.

وخلال محاكمته استُجوب بأسئلة غبية جدّاً مثل سؤاله لماذا لم يحافظ على السجل. ولم يتم عزله، ولكنه لم يترفع إلى رتبة عقيد مما أثر في معاشه التقاعدي بشكل كبير.

لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، قام رؤساء بيتروف بالدعاية له وأصبح مشهوراً في الغرب. وفي فبراير/شباط 2013 نال جائزة دريسدن.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي