مليون مسلم يقفون إلى جانب القيم الدينية في الشيشان

جرت أمس الأول في الجمهورية الشيشانية ـ إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية ـ مسيرة حاشدة كُرست للدفاع عن القيم الإسلامية، وأعلنت السلطات المحلية أن عدد الذين اجتمعوا في الساحة الرئيسة لمدينة غروزني بلغ زهاء مليون شخص، من بينهم ممثلون عن الكنسية الأرثوذكسية الروسية، ويشير الخبراء إلى أن رئيس الشيشان رمضان قادروف ـ بتنظيمه لهذه التظاهرة ـ يحقق عدة أهداف دفعة واحدة، بحيث يصبح زعيماً للمسلمين الروس ويظهر مدى قوة جمهوريته.
حسب تقديرات الشرطة، فقد جمعت مسيرة احتجاج على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد (ص) في الشيشان حوالي مليون شخص. (تصوير:فاليري ماتيتسين/TASS)
حسب تقديرات الشرطة، فقد جمعت مسيرة احتجاج على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد (ص) في الشيشان حوالي مليون شخص. (تصوير:فاليري ماتيتسين/TASS)

شهدت مدينة غروزني عاصمة الشيشان يوم الاثنين (19 يناير/ كانون الثاني الجاري) مسيرة احتجاج على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد (ص) في مجلة "شارلي ايبدو" الفرنسية التي قُتل عدد من موظفيها على يد متطرفين إسلاميين. وبحسب تقديرات الشرطة، فقد جمعت هذه التظاهرة حوالي مليون شخص، سار المشاركون فيها من ساحة مينوتكا وحتى مسجد  "قلب الشيشان"، حيث أدت الحشود هناك صلاة الجماعة.

مسيرة وصلاة

أعلن رمضان قاديروف الذي بادر للدعوة إلى هذه التظاهرة، من على المنبر أمام المجتمعين، بأن لا يمكن السماح بالإساءة إلى اسم الرسول الكريم، حيث قال: " لن نسمح بأن تمر الإساءة لاسم الرسول الكريم من دون عقاب، وها نحن نرى معكم أن الصحافيين والسياسيين الأوربيين، تحت شعار مزيف عن حرية التعبير والديمقراطية، ينادون بحرية الوقاحة، وقلة الأدب والإساءة للمشاعر الدينية لمئات الملايين من المسلمين.

فعن أية حرية تعبير يتحدثون، لقد دانت روسيا إرهاب أمريكا وأوروبا ضد سوريا والعراق، وإشعال الحرب في أوكرانيا، بينما استخدمت بلدان الغرب والولايات المتحدة العقوبات ضد روسيا، فعن أية حرية التعبير يتحدثون؟".  
وتجدر الإشارة إلى أن عدداً من ممثلي الكنسية الأرثوذكسية الروسية شاركوا في هذه المسيرة.

وفي قت سابق، جرت تظاهرة مماثلة في جمهورية قوقازية أخرى وهي إنغوشيا، شارك فيها أكثر من عشرين ألف شخص.

وأعرب ألبرت كراغانوف، مفتي موسكو والمنطقة الوسطى في روسيا، عن ثقته بأن روسيا لن تشهد هجمات عدوانية، حيث قال بأن " الأعمال الإرهابية غير مقبولة، ولكن في الوقت نفسه فإن حرية التعبير يجب أن تنطوي على الأدب، وفي روسيا فإن القانون حول الإساءة إلى مشاعر المؤمنين يسمح بمراعاة التوازن". واقترح كراغانوف النظر إلى الأحداث في الشيشان ليس كفعالية سياسية، وإنما كصلاة جماعة.  

Youtube:Che News

بيد أن نيكولاي شابوروف، مدير مركز دراسة المعتقدات الدينية في الجامعة الروسية للعلوم الإنسانية، لا يشاطر المفتي رأيه، فهو على ثقة من أنه لو كان الحديث يدور حول النقاشات الدينية فقط، لجرى كل شيء داخل المساجد، حيث قال لـ " روسيا ما وراء العناوين" بأنه " يجب إدراك أن الدين هنا يصب في السياسة، ولا يمكن النظر إليهما كلاً على حدة، ويفسَّر وجود هذا الحشد من المشاركين بإيعاز قاديروف الذي يحظى بسلطة مطلقة في جمهورية الشيشان"، ويشير شابوروف إلى أن تنظيم مثل هذا الحشد الضخم غير ممكن في المناطق المسلمة الأخرى من روسيا.

ويتفق غيورغي ميرسكي المستشرق والمحلل السياسي مع نيكولاي شابوروف في الرأي، حيث يشير إلى أن التقاليد الإسلامية تختلف من إقليم إسلامي إلى آخر، وعلى سبيل المثال، فإن الإسلام يلعب في القوقاز دوراً كبيراً في الحياة، أما في جمهورية تترستان، فإن الناس قريبة من نمط الحياة الأوروبية، ولم يعيشوا أبداً وفق أحكام الشريعة تماماً.

ويوضح ميرسكي قائلاً بأن " المجتمع الإسلامي مستاء، ولكن بدرجات متفاوتة، فكل شيء يعتمد على تقاليد البلاد، وطباع الناس ومستوى ثقافتهم، وفي غالبية البلدان العربية جرت تظاهرات في الشوارع، وغروزني في هذا السياق جزء من موجة الاستياء العامة".

تظاهرة متعددة الأوجه

يشير المحلل السياسي غيورغي ميرسكي إلى أن رمضان قاديروف يسعى لأن يصبح زعيماً للمجتمع الإسلامي بأسره، حيث يقول بأن " لديه وضعاً خاصاً في روسيا، فقد قرر أن يتحدث باسم المسلمين الروس، وبهذه الصورة فإنه يصيب عصفورين بحجر واحد، بحيث يصبح شخصية بارزة بالنسبة للعالم الإسلامي ويظهر قوته أمام موسكو، فأي زعيم إقليمي يستطيع أن يجمع مثل هذا الحشد خلال هذا الوقت القصير؟

كما تواجد في التظاهرة ممثلو مختلف الجمهوريات القوقازية، وهذا ما يجعل قاديروف زعيماً للقوقاز، وليس لجمهورية واحدة فقط".

كما يوجد وجه اختلاف آخر يميز الحدث الروسي عن تظاهرات المسلمين الآخرين، وهو أن المنظم والزعيم لم يكن زعيماً دينياً، بل رئيس جمهورية من الجمهوريات الروسية، علماً بأن جميع الفعاليات المماثلة قادها زعماء دينيون، أما هنا فكان رئيس الجمهورية في المقدمة.

ويقول غيورغي ميرسكي بأن جميع الأحداث المتعلقة بالمأساة الفرنسية تشير إلى ظهور مواجهة مفتوحة ما بين الحضارتين الأوروبية والإسلامية، وأن روسيا، من خلال مساعي قاديروف، تجد نفسها ضد الغرب، ويقول ميرسكي بأنه " اليوم، على خلفية العقوبات والخلافات مع الغرب تجد روسيا نفسها إلى جانب العالم الإسلامي، وهنا يظهر قاديروف كمدافع عن القيم التقليدية الإسلامية والأرثوذكسية".

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي