مسلمات روسيا لا يكترثن بالدفاع عن حقوقهن

قصة زواج غير متكافئ في الشيشان جعلت العديد من المواطنين الروس يتساءلون عن سبب الانتهاكات الفظة لمعايير الدولة العلمانية.
(ريا نوفوستي)
(ريا نوفوستي)

أواخر أيار/ مايو، دوت في وسائل الإعلام الروسية أصداء واحدة من القضايا التي أغضبت العديد من الروس. تدور أحداث هذه القصة حول لويزا غويلابييفا ابنة السبعة عشر ربيعا، التي ورد في الأنباء أنها أرغمت على الزواج من مقدم في وزارة الداخلية الشيشانية يبلغ السادسة والأربعين من العمر، ومتزوج سابقا.

وجاء موقف الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، الذي بارك عقد القران، ليصب الزيت على النار. وكذلك كان موقف مفوض هذه الجمهورية لشؤون حقوق الطفل، بافل استاخوف، الذي رفض التدخل في القضية، بالرغم من مناشدات الصحافيين، مبررا ذلك بالقول إن "حماية الآخرين لا تفرض عليهم بالقوة".

في أسر العادات

ومع ذلك، يؤكد العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان أن الوضع في مجال حقوق المرأة في بعض الجمهوريات القوقازية يتدهور. وتشير يكاترينيا سوكيريانسكايا من "مجموعة الأزمات الدولية"، إلى أن "قسر النساء على الزواج يخلق مشكلة جديدة تماما بالنسبة للشيشان. في السابق كان من العار على العائلة الشيشانية إرغام المرأة على الزواج من رجل ما.

أما الآن، كما يقول النشطاء الحقوقيون هنا، فإن موظفي الأجهزة الأمنية والمسؤولين الكبار يستغلون مناصبهم لممارسة ذلك".

76% من سكان المنطقة الذين شاركوا في استطلاع الرأي "مشكلات شمال القوقاز الأساسية" (1200 شخص)، تحدثوا عن انتقاص حقوق المرأة. وأشاروا إلى عدم المساواة، والإذلال، والتمييز عند التوظيف، وانتهاك حقوقها الشخصية، وحقها في إثبات جدارتها في ميادين الحياة.

وتلفت سوكيريانسكايا إلى أن المعايير التقليدية في القوقاز تفصح عن نفسها أكثر فأكثر، لأن حقوق المرأة في شمال القوقاز تنتهك بوتائر أكبر مما في المناطق الروسية الأخرى، "فالتقاليد هنا قوية، الأمر الذي يطبع الوضع في كل من داغستان والشيشان وإينغوشيتيا، بينما هي أخف وطأة في كل من أوسيتيا الشمالية وقابردينو- بلقاريا، وكارتشايفو- تشركيسيا.

ومن ناحية أخرى، نجد أن للدين تأثيره في هذا الأمر، فحقوق المرأة في الإسلام تختلف عن حقوقها بموجب دستور روسيا الاتحادية".

تبدأ مراقبة المرأة من اللباس. وفي الشيشان طبق عام 2008 معيار اللباس، الذي لا يسمح للمرأة بدخول المدارس والجامعات ومؤسسات الدولة إلا إذا ارتدت تنورة طويلة، وقميصا أو كنزة بأكمام طويلة، ووضعت على رأسها منديلا يحجب شعرها.  

وتمضي سوكيريانسكايا قائلة إن "المجتمع الشيشاني في السابق كان أكثر تسامحا، ففي سنوات الحرب كنت أسير في العاصمة غروزني مرتدية البنطال، دون أن يهتم بي أحد. وحتى في أيامنا هذه، لا يهتم بسطاء الناس بلباس المرأة، بينما السلطات المحلية هي التي تستغل النزعات المحافظة لتحقيق أهدافها".

وتضيف الناشطة الحقوقية أن الإسلام في الجمهوريات الإسلامية الروسية الأخرى أكثر لينا بكثير، بل أن السلطات هناك لا تجعل منه أديولوجيا رسمية. أما في الشيشان، فإن التدخين يعرض المرأة للاعتقال. والعلاقة مع الرجل خارج إطار الزواج قد تؤدي إلى ارتكاب جريمة قتل "صونا للشرف"، الأمر الذي يتزايد يوما بعد آخر.

تجري في العاصمة الشيشانية الآن محاكمة سلطان داوربيكوف الذي قتل خنقا ابنته المطلقة البالغة من العمر 38 عاما، والتي كانت تربي طفلا لها في العاشرة من عمره. وذات يوم رأى الجيران أن رجلا غريبا يوصلها إلى البيت بالسيارة. أحد الشهود ذكَّر القاضي بأن رمضان قديروف برر القتل "صونا للشرف".  

النضال الصعب

لا تستطيع المؤسسات والسلطات الفدرالية التأثير على الوضع. سوكيريانسكايا تعيد إلى الأذهان قصة رئيس لجنة التحقيق لجمهورية الشيشان، سيرغي بوبروف، الذي حقق بجرائم القتل "صونا للشرف" أواخر العام 2012 ، فتقول إنه "تعرض لضغوط مباشرة، وسرعان ما استبدل به موظف "موال". وقوانين روسيا الاتحادية يسري مفعولها هناك بقدر محدود جدا.

فالتوجيه الرئيس للتصرف هو أمر رمضان قديروف". وفي العام الماضي استحدثت في روسيا وزارة شؤون القوقاز الشمالي، ولكن لم يسمع عنها شيء بخصوص الدفاع عن حقوق المرأة .

تحاول المنظمات غير الحكومية إصلاح الوضع، "ففي الشيشان الآن عدد كبير لم يسبق له مثيل من منظمات الدفاع عن المرأة، أي 6 أو 7 منظمات. وهي تساعد في حل بعض المشكلات، وبصورة غير علنية غالبا. ولكنها لا تستطيع النضال على هذا الصعيد جهرا.

وتعبر سوكيريانسكايا عن أسفها "لعدم وجود عمل فعلي في مجال الدفاع عن حقوق المرأة في المنطقة. فالنشطاء الحقوقيون كان يمكن أن يسهموا بقسطهم، ولكن كل شيء حتى الآن يقتصر على مكافحة النتائج. والنساء أنفسهن، كما تبين استطلاعات الرأي، يرغبن بمعرفة حقوقهن، ولكنهن يمتنعن عن القيام بذلك"، كما تؤكد سعيدة سيراجودينوفا، رئيسة مركز "القوقاز، العالم، التنمية" لدراسة قضايا العصر الكونية والمشكلات الإقليمية.   

من ناحيتها ترى نتاليا بيتين، الصحافية والناشطة في مجموعة المبادرة "من أجل الحركة النسوية"، أن من غير المتوقع انطلاق سيل من المبادرات المدنية، فالنساء الروسيات لسن جاهزات للنضال، لا من أجل حقوق بنات جلدتهن، ولا من أجل حقوقهن بالذات، كما بينت في الآونة الأخيرة مناقشة موضوع التحريم المحتمل للإجهاض في البلاد.

توضح بيتين أن "النساء من ذوي التعليم العالي والوضع الاجتماعي الرفيع، يتمتعن بقدر كبير من القدرات الشخصية والسياسية، ويشعرن بالقلق جراء وضع المرأة في شمال القوقاز. ويعرفن ما العمل، فيتوجهن بالمناشدات إلى الدولة ومؤسسات القوة". ولكن ذلك كله لم يسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن، كما اتضح من العرس الشيشاني.

الخبرة التاريخية قد تكون مفيدة في هذا المجال، وعلى جه الخصوص موقف القضاء في الاتحاد السوفيتي الذي كان يقف إلى جانب الأم في قضايا الطلاق.وتخلص سوكيريانسكايا إلى القانون الروسي يجب أن يدافع عن المرأة، بما في ذلك ضد القوانين والتقاليد الدينية".

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي