مطارات روسيا الفضائية

لإلقاء نظرة على ماضي روسيا، والتفكير بمستقبلها، قامت مراسلة "روسيا ما ورءا العناوين" بزيارة أكبر مطار فضائي في العالم، أي مطار "بايكونور" الذي تصادف في الثاني من حزيران/ يونيو الذكرى الستون لإنشائه. وزارت المراسلة أيضا مطار "فوستوتشني" الفضائي الجاري بناؤه الآن.
إطلاق صاروخ "سويوز تي إم" من قاعدة بايكونور في كازاخستان.(Vostock photo/Photoshot)
إطلاق صاروخ "سويوز تي إم" من قاعدة بايكونور في كازاخستان.(Vostock photo/Photoshot)

بايكونورهو أول مطار فضائي في العالم، ولا يزال الأضخم حتى الآن. منه انطلقت إلى الفضاء الكلبتان بيلكا وستريلكا. ومن هنا انطلق يوري غاغارين، أول إنسان يحلق في الفضاء. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي أصبح "باكونور" جزءا من أراضي دولة أخرى، هي كازخستان. ومع ذلك تواصل روسيا استخدام هذا المجمع الكبير بموجب معاهدة إيجار وتأجير. وفي العام 2004 وقع رئيسا البلدين (روسيا وكازخستان) اتفاقية تمدد تلك المعاهدة حتى العام 2050.

ولكن روسيا قررت في العام 2007 إنشاء مطار فضائي خاص بها. موقع تنفيذ المشروع الطموح الجديد سيكون المطار الفضائي "فوستوتشني" في مقاطعة آمور في الشرق الأقصى. الجميع ينتظرون إنجاز أعمال البناء.

وكالة الفضاء الروسية "روس كوسموس" تنتظر. وينتظر أيضا أولئك الذين وهبوا نصف عمرهم  لمطار بايكونور
 منذ أن تخلوا عن كل شيء وانتقلوا إلى هنا لبدء حياة جديدة من الصفر. هؤلاء ينتظرون بحزن جلي ، ولا يعرفون ماذا تخبئ لهم الأقدار.  

صحراء وسط الواحة

بناء المطار الفضائي "فوستوتشني" في مقاطعة آمور في الشرق الأقصى.تصوير: إيغور أغيينكو/ريا نوفوستي

قبل السفر جوا إلى بايكونور زرت "فوستوتشني". أقلعت بنا الطائرة من موسكو مساء باتجاه بلاغوفيشينسك. النوم يجافي عيوني. وطيلة الوقت تقريبا كنت أنظر من نافذة الطائرة إلى الغيوم المتتابعة الواحدة وراء الأخرى، وإلى الشمس التي تطل من بينها من آن لآخر. الرحلة تستغرق حوالي ثماني ساعات.

بعد الهبوط، أخذنا أماكننا في السيارت التي انطلقت بنا في طريق وعر مدة أربع ساعات أخرى حتى أوغليغورسك. غالبا ما كانت تعترض طريقنا سناجب قاتمة اللون تارة، وأرانب رمادية تارة أخرى. توقفنا عند الضفة المنحدرة لنهر زييا. وأمام روعة هذا المنظر انحبست أنفاسي.

في اليوم التالي انطلقنا فورا إلى موقع بناء "فوستوتشني". عشرون دقيقة في الطريق، وغبار رملي كثيف يحجب الرؤية تماما. مشروع البناء الذي وصلنا إليه أخيرا، لا يقل بأبعاده الهائلة جبروتا عن الطبيعة في هذه البقاع. العمال الذين ألفوا زيارات لجان التفتيش، لم يبدوا أي اهتمام بنا. رجل أشيب الشعر، استقبلنا عند الموقع بكل لطف، وسألنا مستغربا :" وما الذي تريدون مشاهدته ؟ السياج، الرمل، الكلاب ...؟".

 ولكننا، في الحقيقة، لاحظنا وسط الرمال أن منصة الإطلاق بدأت ترتسم معالمها. وفي المستوطنة ترتفع الطوابق الأولى من مدينة تسيلكوفسكي التي ستنشأ هنا.

في هذا المكان يتواصل تاريخ غزو الفضاء. مطار "فوستوتشني" سيضمن لروسيا ساحة مستقلة نحو الفضاء، ومن المفترض أن يغدو، بمرور الوقت، المركز الرئيس للأبحاث العلمية الفضائية، وأن يخلق إمكانيات جديدة لتطوير الشرق الأقصى، وزخما جديدا لقطاع الفضاء في روسيا. غير أن آجال إنجاز المطار الفضائي ووضعه قيد الاستخدام ستتأخر. والعملية نفسها تترافق بخلافات ومشادات حادة جراء النفقات الكبيرة، واختلاس أموال مخصصة للمشروع.

واحة وسط الصحراء

يوري غاغارين في بايكونور. تصوير: TASS

قبل يوم من الرحلة الجوية المثيرة إلى بايكونور كان علي أن أكتب العديد من الرسائل والالتماسات إلى مراجع شتى، حتى أن فرحي بالرحلة المقبلة كاد يتبخر. كان يجب الاتفاق بشأن كل خطوة. ولزيارة أي جزء من موقع العمل كان ينبغي الحصول إذن خاص. جهاز هاتفي المحمول بالكاد تحمل ضغط المكالمات المتواصلة.

طرنا ثلاث ساعات ونيف. في الساعة الأخيرة من الرحلة لم يتغير المنظر خارج الطائرة. هبطنا في السهب. في مطار "كراينيي" حيث استقبلتنا تاتيانا، الموظفة في مصلحة أمن  المطار الفضائي. مررنا عبر بضعة حواجز. لم أتمالك نفسي بعد فحص أوراقنا الثبوتية المرة تلو الأخرى، فسألتها: "تاتيانا..

أنا أتفهم ضرورة اختبار كل شيء عندما كنا في ستينات القرن الماضي. أما الآن، فربما لا وجود لحالات التجسس؟". فردت قائلة "من الخطا أن تعتقدي ذلك.. كل شيء وارد". وإذ رأت الدهشة في عيني، صمتت تاتيانا، وأفهمتنا دون كلام أن لا تفاصيل أكثر.

وأخيرا وصلنا إلى الحاجز الأخير. من هنا الدخول إلى المدينة. عند البوابة يقف جمل يبدو وكأنه مستغرق في التفكير. ما أن عبرنا آخر حاجز للتفتيش، حتى أخذت تتراءى لنا أشجار على يمين الطريق ويساره، وكأننا دخلنا منطقة مناخية أخرى. تبدو المدينة وكأنها لم تغادر الحقبة السوفيتية نهائيا حتى الآن. 

كل شيء هنا يخلق عند المرء هذا الشعور .. السوق المركزي، وآرمات المحلات والمتاجر، وعدم جود المقاهي وغيرها من أماكن الترفيه التي تعمل ليلا نهارا. نصف سكان المدينة في ثياب عمل خاصة، فهؤلاء جميعا يعملون في المطار الفضائي.

كانوا الأوائل

في بايكونور كل الناس يرون القصص عن صواريخ الروسية الأولى، والمصميين ورواد الفضاء الأسطوريين. لا يزال أحياء هنا أولئك الذين عملوا مع المصمم السوفيتي العبقري سيرغي كوروليوف، وأولئك الذين وفروا كل الظروف لإطلاق  صواريخنا الأولى.

من مطار بايكونور الفضائي تم إطلاق أكثر من نصف الصواريخ والمركبات والأقمار الاصطناعية التي أطلقها العالم إلى الفضاء. من هنا أطلق أول قمر اصطناعي إلى مدار حول الأرض.

ومن هنا انطلقت مركبات الفضاء المأهولة من طراز "فوستوك"، و"فوسخود"، و"سويوز"، والمحطتان الفضائيتان "ساليوت" و "مير"، والمنظومة متعددة الاستخدام من طراز "اينيرغيا" – "بوران"، وأجهزة التحليق مابين الكواكب، والأقمار الاصطناعية للأغراض العلمية والعسكرية. وحتى اليوم لايزال "بايكونور" يحتفظ بقصب السبق من حيث عدد ما يطلق منه سنويا.

طيلة الأيام الثلاثة التي أمضيناها في بايكونور كانت تاتيانا برفقتنا. تصف لنا مشاعرها فتقول :"عمري 43 سنة. ولا أعرف ماذا بعد. كل شيء كان هنا، كل حياتي هنا. أنا أدرك أن أحدا لن يأخذنا إلى هناك ( إلى "فوستوتشني").. لا أعرف ماذا سيحل بنا. ثمة من يقول إنهم لن يتخلوا عن بايكونور قبل العام 2050". تنظر تاتيانا إليَّ نظرة تساؤل. وأنا التزم الصمت، واستغرب تخوفاتها. إنها مستعدة للانتقال إلى مقاطعة آمور والبدء بكل شيء من البداية.

فوق بايكونور سماء داكنة على نحو غير عادي. وهناك يعمل أناس غير عاديين.. أوقدوا نجوم تاريخ الفضاء الروسي، ما زالوا يواصلون هذا العمل العظيم.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي