الجراحون الروس يستعدون لعمليات زرع الوجه

حتى وقت قريب، لم تكن التشريعات تسمح بإجراء عمليات زرع الوجوه على نطاق واسع. أما الآن، فإن وزارة الصحة الروسية تخطط لتوسيع قائمة الأعضاء وغيرها من المكونات التي يمكن زرعها. مما سيتيح للمرضى -علاوةً على ما كان مسموحاً به سابقاً- زرع الوجه مع أوعيته الدموية من شخص متوفى.
تُجْرَى في روسيا 1500عملية زراعة أعضاء سنوياً. (Shutterstock/Legion Media)
تُجْرَى في روسيا 1500عملية زراعة أعضاء سنوياً. (Shutterstock/Legion Media)

أعلن الجراحون الروس غير مرةٍ، أنهم مستعدون للقيام بزراعة الوجه. وإلى ذلك، تختبر مجموعة من الأطباء والعلماء من جامعة سانت بطرسبورغ الطبية تقنيات خاصة لإجراء مثل هذه العمليات على الجثث. وفي عام 2012، نجح جراحون من مركز كراسنودار الإقليمي لمعالجة الحروق بزرع قطعة كاملة من الجلد لطفل في الثانية من عمره كان يعاني من حروق شاملة في منطقة الرأس.

علماً بأن مثل هذه العمليات كانت تتم سابقاً، بخياطة قطع منفردة من الجلد مع بعضها البعض.

ويرى الجراحون، أن التشريعات السابقة لم تكن لِتَسْمَح بوضع عملية زرع الوجه على "خط الانتاج" المتدفق. وتفترض هذه العملية أن يحصل المريض على وجه جديد بالكامل، بما في ذلك الأنف واللسان والأذنين، التي ستؤدي وظائفها في الجسد المتلقي. ولكن، وفقاً للقانون المعمول به في روسيا حالياً حول "زرع الأعضاء والأنسجة البشرية"، فإن ما هو مسموح به رسمياً هو زرع نوع واحد من الأنسجة فقط. والوجه البشري يتألف من عشرات الأنسجة.

وهذا يعني أن زراعة الوجه لا يمكن أن تندرج تحت القواعد الناظمة. وهذه المعضلة القضائية لا يمكن تخطيها بصورة قانونية. ولهذا السبب اكتفى الجراحون الروس على مدى سنوات عديدة بتمرين أيديهم على النماذج السيليكونية المزودة بنسخة دقيقة للعضلات والنهايات العصبية والجلد.

الجراحون بحاجة إلى قوانين جديدة

في الآن ذاته، يعلن الجراحون الذين أثاروا مسألة التعديلات التشريعية أن عملية أخذ أنسجة الوجه من المتبرعين وزرعها فيما بعد هي بحد ذاتها عملية في غاية الصعوبة. وما يزيد المسألة تعقيداً هو تحديداً قصور التشريعات وخصوصية العقلية الروسية. ويرى الأطباء أن إنشاء خدمة خاصة للتبرع بالأعضاء باتت على رأس المشاكل المُلِحَّة.

تشير الوقائع إلى أن قلة من الروس يوافقون على "إهداء" وجههم لشخص آخر بعد الوفاة. وحسب استطلاع للرأي أجراه محللون من "مركز ليفادا"، فإن حوالي 50%  من الروس لا يرغبون مطلقاً بمنح أعضائهم لاحتياجات زراعة الأعضاء.

 تُجْرَى في روسيا 1500عملية زراعة أعضاء سنوياً. وللمقارنة، يصل هذا الرقم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى حوالي 20 ألف عملية. كما تصل نسبة المتبرعين بأعضائهم في بلدان أوروبا والولايات المتحدة من 15 إلى 20 لكل مليون نسمة من السكان. والمعدل الأعلى في العالم هو في اسبانيا (من 28 إلى 35 متبرع لكل مليون نسمة). أما في روسيا، فلا يتعدى هذا الرقم 2.9  لكل مليون نسمة من السكان.

 يقول جراح التجميل غيورغي آبوفيان: "حالياً، يستطيع الأطباء زرع الأعضاء فقط إذا لم يكن هناك رفض رسمي لعملية الزرع من أقارب المُتَبَرع المحتمل أو منه شخصياً. وهذه هي "الثغرة" الأخيرة في القانون التي تسمح للأطباء القيام بذلك".

ويعتقد البروفيسور الجراح ودكتور العلوم الطبية ومؤلف العديد من التقنيات في جراحة الوجه والفكين دميتري دافيدوف، أن نظام الرعاية الصحية في روسيا ليس جاهزاً بعد لزراعة الوجه على نطاق واسع. ويعلق دميتري دافيدوف على الوضع القائم قائلاً: "المشكلة أكثر جدية مما قد يظن البعض. وهي مشكلة متعددة الجوانب وتشمل الجانب القانوني ومرحلة الحصول على السماح وموافقة الأطراف ومن ثم مرحلة النقاهة وإعادة التأهيل.

العملية في حد ذاتها هي دليل على الكفاءة المهنية للجراح ولفريقه المساعد. وإن أي أخصائي يسعى لإجراء عملية زراعة الوجه لإثبات كفاءته المهنية. ومن هذه الزاوية، أستطيع أن أتفهم زملائي في المهنة.

ولكن إلى جانب المهارات الشخصية، تتطلب الأنسجة المزروعة فترة من الزمن للتأكد من قدرتها على التعايش مع جسم المتلقي لأن الجلد المزروع  يمتلك تركيبة جينية مختلفة".

وأوضح دميتري دافيدوف أنه بعد العملية، لا بد من تثبيط جهاز المناعة عند المريض عبر العلاج الدوائي اليومي الذي قد تتراوح كلفته من 400 إلى 500 ألف روبل شهرياً (ما يعادل 10-13 ألف دولار). ويرى الجراح أن نظام الرعاية الصحية في روسيا لن يستطيع تحمل مثل هذا العبء على الميزانية. لأن العناية بالمرضى وإعادة تأهيلهم لا تزال عملية مكلفة للغاية.

 دستور زراعة الأعضاء

في الآونة الأخيرة، قامت أولغا غولوديتس نائب رئيس الوزراء بلفت النظر إلى الحالة الصعبة التي تكتنف عمليات زرع الأعضاء. وأشارت إلى أن مرضى السرطان يضطرون للسفر إلى خارج البلاد من أجل زرع نخاع العظم، فقط لأنه ببساطة لا يوجد في روسيا سجل للمتبرعين.

وكانت وزارة الصحة قد أعدت ما يسمى "دستور زراعة الأعضاء" ليُصار إلى إقراره لاحقاً. وسينظم "الدستور" عملية تداول الأعضاء البشرية التي ستتم زراعتها. ومن المفترض أن يتم اعتماد الوثيقة حتى نهاية عام 2014 ليبدأ العمل بموجبها اعتباراً من 1 كانون الثاني/ يناير2016. وستتيح تعديلات القوانين الواردة في "دستور زراعة الأعضاء" الفرصة أمام المواطنين الروس لتوريث جزء من أجسادهم لسد احتياجات طب زراعة الأعضاء.

 بعد اعتماد القانون، سيتم وضع قاعدة بيانات موحدة لجميع أنواع عمليات زرع الأعضاء في روسيا. وستحتوي قاعدة البيانات هذه على وصايا المواطنين وقوائم المتبرعين بأعضائهم أثناء الحياة وبعد الوفاة وقوائم المتلقين وقوائم الأعضاء التي ستتم زراعتها. وفي الوقت نفسه سيتم تثبيت مفهوم "التبرع الطفولي" قانوناً. حيث يمكن للطفل بعد عمر السنة أن يصبح متبرعاً. ولكن حصراً بعد الوفاة وبعد الحصول على موافقة الوالدين رسمياً.  

 يقول سيرغي كالاشنيكوف، رئيس لجنة دوما الدولة للرعاية الصحية: "تلقى مجلس الدوما من الحكومة مشروع قانون ينظم زرع الأعضاء البشرية والأنسجة والخلايا. وفي حال إقرار هذا القانون، فإن كثيراً من المشكلات سيتم حلها في السنوات القليلة القادمة".

وستقوم وزارة الصحة الروسية بإضفاء الصفة القانونية على عملية زراعة الوجه. كما ستُدرج مجموعة الأنسجة اللينة أو ما يسمى "الحزمة الوعائية المغذية" في مشروع القرار "حول المصادقة على قائمة المكونات المسموح بزراعتها"، وهذا يشمل شريحة كاملة من الأنسجة البشرية المختلفة. على سبيل المثال، الوجه مع الأوعية الدموية الذي سيصبح بالإمكان أخذه من شخص متوفى وزراعته لمريض محتاج. وهذا ما سيفتح آفاقاً جديدة لجراحة زراعة الوجه في روسيا.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي