أوغليتش: بلدة هادئة مع تاريخ يمتلئ بالدم والاضطرابات

في أوغليتش الريفية، ستجد صفوفاً من البيوت ذات الشرفات، ونبات إبرة الراعي على نوافذ المتقاعدين المرحين.... وتاريخ غارق بدماء السلالات الملكية في القرون الوسطى.
السياح الذين يأتون لزيارة هذه البلدة يشكلون مصدراً مهماً للدخل؛ حيث يُعدّون مصدر عيش عدد من الفنادق والمقاهي والمكاتب والمتاحف الخاصة في أوغليتش.
السياح الذين يأتون لزيارة هذه البلدة يشكلون مصدراً مهماً للدخل؛ حيث يُعدّون مصدر عيش عدد من الفنادق والمقاهي والمكاتب والمتاحف الخاصة في أوغليتش.

قد تكون أوغليتش المكان الوحيد الذي يمكن أن ترى فيه ولداً يحمل سكيناً في معطفه. وحالما تغوص في تاريخ المدينة لن تستغرب ذلك، بل ستعتقد أنها مهد أغاثا كريستي.

حيث مات الأمراء المحليون بوتيرة منتظمة بعد سنوات قليلة من اعتلائهم العرش، وغالباً من دون ترك وريث؛ وبعضهم اختفوا ببساطة من السجلات التاريخية، أو انتابهم الجنون، أو رُبطوا بسلاسل في أبراج محصنة، أو قام أقربائهم الأقوياء بفقء أعينهم بسبب "أوامر مقدسة".... أو أُغرقوا بالنهر بكل بساطة.

يبدو أحياناً أن مصير ولي العهد الأمير دميتري- الإبن الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من أبناء إيفان الرهيب- قد تقرر منذ لحظة وصوله إلى أوغليتش. إنه ولي العهد نفسه الذي ظهر في أعلى المدينة مع سكينه التي قررت مصيره في يده.

وقد عاش ولي العهد دميتري حتى بلغ عامه الثامن فقط. ولكن الغضب السياسي العارم نتيجة مقتله الغامض قد أثار ما سُمي لاحقاً بزمن الاضطرابات والذي استمر 22 عاماً.

تصوير: فيكتوريا سيميوشينا.

وكان دميتري ابن إيفان الرهيب من زواجه السادس، وعلى الرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية لم تعطه حقوقه المكتسبة بالولاده نتيجة ذلك، لكنه بقي الوريث الوحيد لسلالة عائلة روريك.

وقد أكّد شهود عيان أن الأمير دميتري قُتل أثناء لعبة رمي سكاكين. في حين تقول الأسطورة أن نوبة صرع أصابت الأمير خلال اللعبة فطعن رقبته بالسكين.

بحلول العام 1606، أي بعد 15 عاماً من مقتله، تم إعلان قداسته. وبُنيت كنيسة في موقع قبره، وأصبح المكان لاحقاً موقع دفن الأطفال. ويُعدّ يوم 28 أيار/ مايو في أوغليتش يوم الأمير دميتري.

تصوير: فيكتوريا سيميوشي

واعُتبر الأمير شفيعاً للأطفال. ويُحتفل بيومه في كنيسة الأمير دميتري على الدم بقداس وموكب للصليب المقدّس وحمل الكفن الذي لُفّ فيه جسد الأمير عند نقله من أوغليتش إلى موسكو.

أما الجرس الذي قُرع لإعلان مقتل ولي العهد، فقد تم "نفيه" إلى توبولسك السيبيرية. وفي حصن سيبيريا نُقش عليه "أول محكوم غير حي يُنفى إلى سيبيريا". وبعد 300 عام، تمت إعادته إلى أوغليتش ليُحفظ في الأرشيف الوطني والمتحف الفني.

وقد عانت مدينة أوغليتش كثيراً بعد موت الأمير خلال زمن الاضطرابات، حيث سُلبت ونُهبت. وبالكاد تغير مظهرها من أواخر القرن الـ17 وحتى بداية الـ19، مما أكسبها مظهراً مميزاً. المعالم السوفييتية الرئيسة فيها هي بحيرة اصطناعية ومحطة هيدروليكية بناها السجناء بين العامين 1935- 1955.

أما مصائر الأمراء الذين جاؤوا بعد دميتري، فلم تكن أقل مأساوية. أبناء أول دوق في أوغليتش ماتوا من دون أي وريث. وسيطر على الإمارة ابن أمير ياروسلافل فيدور الأسود، ألكسندر، الذي اختفى على الفور. بعده جاء أمير روستوفي اسمه أيضاً ألكسندر، واستولى على العرش وأيضاً اختفى من صفحات التاريخ. بعد فترة وجيزة توفى ابنه الوحيد ووريث العرش ذو الـ20 ربيعاً من دون أولاد. لاحقاً تم ضم أوغليتش إلى إمارة موسكو.

تمثال  الأمير دميتري في كريملين أوغليتش.تصوير: فيكتوريا سيميوشينا

توفى قسطنطين، ابن الأمير ديمتري من الدون، بعد 5 سنوات فقط من حكمه المدينة من دون وريث. وكان أمير أوغليتش التالي هو اندريه العظيم، والذي وُلد في المدينة عندما كان والده يعيش فيها منفياً.

أُزيح أندريه العظيم عن الحكم بعدما استولى على العرش شقيقه الأمير العظيم إيفان الثالث، وانتهى الأمر به مقيداً بسلاسل في زنزانة ليموت في ظروف غامضة، وأسُر أولاده لسنوات عديدة قبل أن يتم ضمهم إلى الرهبان بالقوة. وعُيّن يوري، شقيق إيفان الرهيب، دوقاً في أوغليتش- وهناك أُصيب بالجنون. وبالكاد استطاع ولده النجاة لعام عام، واعتكفت زوجته في دير، لكنها أُغرقت في نهر بأمر من القيصر.

المشهد الذي نراه اليوم منعكساً على البحيرة الاصطناعية- كرملين أوغليتش والأديرة وبيوت التجار والنبلاء وبرج الحرائق في الشارع الرئيس- هو صورة عن روسيا التي رسمها الفنانون الروس القدماء.

أوغليتش تقع على ضفة نهر الفولغا. تصوير: فيكتوريا سيميوشينا

السياح الذين يأتون لزيارة هذه البلدة يشكلون مصدراً مهماً للدخل؛ حيث يُعدّون مصدر عيش عدد من الفنادق والمقاهي والمكاتب والمتاحف الخاصة في أوغليتش. حيث ازدهرت عدد من المتاحف على الجانب القاتم من تاريخ المدينة. حيث يوجد متحف أساطير وخرافات الشعب الروس الذي يضم أعمالاً شمعية. كما يوجد متحف السجن الفني. ومن المؤسف أن هذا المتحف لا يضم المبنى التاريخي لبرج سجن أوغليتش، الذي يُستخدم اليوم كمركز لتدريب المعلمين.

كما يجب زيارة كرملين أوغليتش، إضافة إلى إلقاء نظرة على كنيسة انتقال مريم العذراء ودير القيامة. شُيد الدير خلال الأعوام 1674-1677 بجهود مطران روستوفي شهير اسمه يونان. وفي مكان قريب نجد كنيسة القديس يوحنا المعمدان التي بناها أحد أثرياء أوغليتش عام 1690، في ذكرى ابنه إيفان الذي اختُطف وقُتل على يد مسؤول صغير مجنون، إنه مثال آخر عن الظواهر الغريبة في أوغليتش.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي