زوبعة من العمارة والتاريخ داخل أسوار قلعة قديمة

قد يكون مفاجئاً لكثير من الناس أن يعلموا بوجود مدينة روسية يرتبط تاريخها بشكل وثيق بحضارات بعيدة جدا عنها مثل الخلافة العربية والمملكة الفارسية والسلاجقة الأتراك. إنها مدينة دربند الداغستانية، المدنية الروسية الأقدم والتي تقع في أقصى جنوب روسيا.
Derbent

عاش الناس هنا قبل أن يكون السلافيون معروفين للعالم. حتى إن أسماء الذين حاولوا الاستيلاء على القلعة يمكن أن يملأوا كتاباً كاملاً من التاريخ: السكثيون، والخازار، والفرس والعرب والأتراك والفرس مرة أخرى، والهونيون، والتوختاميش وتيمورلنك وبطرس العظيم.

ويمكن تبرير أهمية دربند بسهولة: فهي تقع في موقع تجاري وعسكري مهم، ممتدة في ممر ضيق على أرض واقعة بين جبال القوقاز وبحر قزوين. وكانت القوافل التي تتبع طريق الحرير تمر عبر دربند.

السور القوقازي العظيم

تنتهي جبال القوقاز على بعد كيلومتر واحد من البحر، حيث تقع قلعة نارين كالا (قلعة الشمس) على الشاطئ تماماً. وينحدر سورا القلعة المتوازيان نحو البحر. تم تفكيك الجدارين في القرن العشرين باعتبارهما غير ضروريين، لكن يمكن رؤية بقاياهما اليوم من الجو.

وصُممت الشوارع في دربند على طول السورين. ومنذ زمن بعيد غاصت جدران أخرى في البحر لمسافة مئات الأمتار مشكلة ميناء. في العصر الحديث، اكتشف علماء الآثار بقايا جدار آخر في قاع بحر قزوين.

امتدت أسوار القلعة إلى مسافة 70 كيلومتر في الجبال مشكلة نسخة قوقازية عن سور الصين العظيم.

كما امتدت أسوار القلعة إلى مسافة 70 كيلومتر في الجبال مشكلة نسخة قوقازية عن سور الصين العظيم. وقد بني هذا السور للأسباب ذاتها التي بُني من أجلها سور الصين العظيم- فقد منعت أسوار دربند الغزاة من الدخول إلى المدينة سواء عن طريق البر أو البحر.

ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد

أظهرت استكشافات علماء الآثار أن أول مستوطنة ظهرت هنا في العصر البرونزي، في بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، لذلك يمكنك اليوم أن ترى علامات رخيصة كُتب عليها "دربند بعمر 5000 عام". وكان المؤرخ هكيتوس الملطي أول من ذكر دربند عبر التاريخ مطلقا عليها اسم "بوابات قزوين".

القلعة التي يمكن رؤيتها اليوم- سور جبلي وميناء محصن- بناها الشاه الفارسي كسرى الأول (531-579) من العائلة الساسانية.

timag82.livejournal.com

بُنيت الأسوار التي يصل ارتفاعها إلى 20 مترا من حجارة كبيرة من الجير الأصفر الذي استُخدم في بناء باقي المدينة. وقد كتب الجغرافيون العرب في القرون الوسطى بحماس عن جدران دربند السمكية، محاولين التفوق على بعضهم في الوصف. فأحدهم حسب السماكة من عدد العربات التي يمكن أن تسير بوقت واحد أعلى السور.

وآخر، على سبيل المثال، أقسم أن 20 خيالا في صف يستطيعون امتطاء خيولهم في أعلى الجدار. في الواقع، تبلغ سماكة الجدار 5-7 أمتار. أي لا يمكن لوحدة خيالة أن تقف في الأعلى، لكن ذلك كان كافياً لإثارة الإعجاب في ذلك الوقت.

آثار القلعة

يوجد عند مدخل قلعة نارين كالا نافورة على شكل وحش رائع وتتدفق فيها مياه الجبال، و"زيندان" صغير وهو عبارة عن حفرة بالأرض لحجز السجناء. وعملياً، كلمة "زيندان" تعني الإبريق. والزيندان مصمم على شكل جيب حجري مع فتحة ضيقة في الأعلى حتى لا يستطيع السجناء تسلق جدرانه المائلة. أرض الزيندان مغطاة بالقطع النقدية. ولسبب مجهول، يرغب جميع السياح بالعودة إلى هذا الموقع.

يقع الزيندان بجوار مكتب الخان، حيث كان المتهمون ينتظرون القرار الذي ستصدره المحكمة. فإذا كان المتهم مذنباً، ومعظمهم كانوا كذلك في تلك الأيام، فسيتم نقل المسكين إلى زنزانة كبيرة.

ويوجد في نارين كالا مزيجاً انتقائيا من الهندسة المعمارية من عصور مختلفة. حيث يمكنك مشاهد الحمامات الفارسية من القرن السابع عشر والتي صُممت بحيث تُسخّن بواسطة شمعة واحدة. كما يمكنك العثور هنا على قصر الخان مع بركة جافة. كما توجد بوابات غربية للقلعة والتي أُعيد بناؤها في بداية القرن العاشر، ويطلق سكان دربند عليها اسم "بوابات العار" لأنه في حال كانت القلعة مهددة بخطر السقوط بأيدي الأعداء كان الحكام يهربون منها إلى الجبال.

المدينة القديمة

الطريق إلى المدينة القديمة ينحدر عبر درج طويل جدّا من العصور القديمة. يوجد 211 درجة بالضبط.

الطريق إلى المدينة القديمة ينحدر عبر درج طويل جدّا من العصور القديمة. يوجد 211 درجة بالضبط. تنحصر دربند القديمة بين سوري القلعة. والمسافة بينهما أقل من نصف كيلومتر. وبالحكم على الصور الملتقطة في سبعينيات القرن الماضي، كانت المدينة محصورة بين سورين في ذلك الوقت. وقد يكون هذا السبب وراء التواء شوارع المدينة الشديد. قد يتوه المرء هنا حتى لو كان يسير وفق خريطة، فالشوارع ضيقة، ولا يمكن أن تسير فيها إلا العربات ذات ثلاث عجلات.

في نهاية البلدة، يمكن العثور على نزل للقوافل، وضريح هانشي توتي بيك الفارسي، وكنيسة أرمنية. كما يوجد زوجاً من الحمامات من القرون الوسطى، أحدهما مخصصاً للفتيات العازبات. لكن المبنى الأكثر إثارة للاهتمام هو مسجد جمعة، أقدم مسجد في روسيا، والذي بُني في القرن السابع. وفي باحة المسجد يوجد شجرة دلب عمرها 800 عام.

جميع الحقوق محفوظة. يُحظر إعادة نشر مقالات "روسيا ما وراء العناوين" دون إذن مكتوب من قسم التحرير.
+
وسائل تواصل اجتماعي